تأملات فلسفية في بنية الشيخ والمريد

بقلم المهدي بوشدوق

الشيخ و المريد في الثقافة الإنسانية، وما أدراك ما الشيخ والمريد، هو الجهاز المفاهيمي الوحيد الذي تحوم حوله الأسرار، وتجول بينه البحار، وتخترق في آفاقه الحكايات والقصص والأساطير، الجهاز الوحيد الذي ينال القسط الوافر من الراحة والارتياح، لا مراقبة ولا محاسبة، لا رقيب ولا حسيب، هو الإله الجديد القديم بتعبير السوسيولوجية الدينية، الإله الذي لا يقبل الحساب، ويرغب دائما في بقاء العبيد، النسق الأحادي الذي لا يعرف تغيير، ولا تبديل، لا حداثة أو تجديد يلحقه أو يدق بابه، ولا تقدم يلجه، ولا تطوير في اليات اشتغاله.

إن فلسفة الشيخ والمريد كما في الدراسات السوسيلوجية هو الحصار البنيوي التي أصابت خريطة العقل المفاهيمي في الفكر الإنساني، حصار ضد العقل الحر والتفكير المستقل، لحد الآن فالقلة من العلماء والفلاسفة والمفكرين الذي يحترمون أنفسهم ويحترمون الاجتهاد المعرفي هم من يجرؤن على تفكيك ونقد هذه الآلهة المقدسة والمعشعشة في عقول اختارت الانسحاب العقلي من الوجود .

المراد بالشيخ والمريد هو المعنى الوجودي الأنطلوجي الذي يقفز على الابستملوجيات المعرفية هي:

“كن بين يدي كالميت بيد الكفان …كن كالعجين حيثما حورتك تحورت…وحيثما كونتك بشكل معين تكونت “.

وبالتالي فليس المقصود بفلسفة الشيخ والمريد المعنى الجاهز والضيق، أو المختصر في مجال التصوف مثلا دون مجال، بل المقصود الرؤية الواسعة والتحليل الشمولي للثنائية، أي معناها الثقافي والإيديولوجي والاقتصادي والفكري والسياسي…

فالشيخ يمكن أن يتخلله مقامات وظيفية، فتجد الشيخ السياسي، الشيخ الثقافي، الشيخ الديني، الشيخ الإيديولوجي، الشيخ الفكري …

– الشيخ الثقافي: الذي يرى الثقافات الأخرى خارج التاريخ وخارج مجال التحضر، لاحق لها في الحياة، لذا وجب اختراقها للرقي بها، وتحريرها من براثن التخلف.

الشيخ الديني: الذي يرى الأديان سواء كانت سماوية أو أرضية محل كفر وفسوق وعصيان وتمرد، وجب محاربتها والقضاء عليها، إما بأسلمتها أو تهويدها أو تمسيحها أو تبويذها أو تسييخها … حتى تصير وتصبح طاهرة نقية.

– الشيخ الإيديولوجي: الذي يرى كافة الاديديولوجيات الإنسانية منافية للعلم والمعرفة، منافية للعقلانية، منافية لأبسط القواعيد الابستملوجية التي وضعها علماء العقل والمعرفة، وبالتالي ممارسة السلطة من تشريع ووصاية ورقابة.

– الشيخ الفكري: الذي يعتقد أن فكره صواب حق صالح لكافة العقول البشرية، فكره المطلق والأفكار الأخرى لا ترقى إلا للنسبية، منطقه هو نهاية التاريخ وبداية العالم، نهاية دلالات الأفكار البدائية، وبداية العالم الراقي فكريا .

فهؤلاء الشيوخ يظنون أنفسهم المهدي المنتظر، كل يرى نفسه منقذ البشرية من الضلال المعرفي والسياسي والديني والثقافي و الإيديولوجي…

المريد بتركيز هو القابع في صومعة الانتحار المعنوي والمادي، العاشق لفلسفة الإتباع المطلق الغير المعقلن، الطفل المحتاج بسيكولوجيا لأمه المحتضنة، هو التابع المنبهر بالشيخ السياسي أو الفكري أو الإيديولوجي… إنه بالضبط من يملك القابلية على الشلل الكلي فكريا معرفيا سياسيا دينيا إيديولوجيا من أجل شيخه المبجل، من أجل مقدسه المصنوع في عالم اللاوعي.

* منطلقات هذه الثنائية المقدسة في الثقافة الإنسانية، ودلالاتها في البنية المفاهيمية هي كالتالي:

إياك والمناظرة معي، فالمناظرة كفر، وإياك والظن فالظن بي شرك، وإياك والحوار فالحوار معي فسق، وإياك والنقد، فالنقد مصيره جهنم وبيس المصير.

لا تحاورني … ولا تناقشني … فكل الأمر بيدي …أنا المطلق … أنا حكيم الزمان … أنا المبدع … أنا السياسي القدير والملك الراعي، أنا الذي لو لم أكن … لما كنت … لو لم أفكر… لما فكرت أنت … لو لم أتكلم لما تكلمت أنت… لو لم أخطط … لما خططت أنت … أنت موجود لخدمتي وتطبيقي أفكاري فقط لا غير.

لذا فلا غرابة إذا وجدت الشيخ يقول بأسلوب الوعي واللاوعي لمريده:

أنت مريد فقط، مهمتك التفعيل والتطبيل والتصفيق … مهمتك الاستقبال والدفاع … استقبال مشروعي الإصلاحي، والدفاع عن آرائي، ما عليك إلا أن تنادي بصوت مرتفع في القنوات والإذاعات والجرائد والشوارع والمدارس والأزقة العنكبوتية في العوالم الافتراضية: هيا بنا لتقديس وتحنيط الشيخ، عاش الشيخ عاش، ومات غيره طبعا.

أما فرضيتها فتنطلق من مقولة: ” لم يترك المتقدمون ما يفعله المتأخرون ” في شتى المجالات.

-سمات الشيخ يمكن اختصارها في:

امتلاك الحقيقة المطلفة، مركزية الأنا تصل إلى درجة التضخم، إنها النرجسية القصوى كما في التحليل النفسي، وأنا وما بعدي الطوفان كما في دلالات التراث العربي القديم، الآخر جحيم، ممارسة الإفتراسية السادية على من لا يقبل الطاعة والسمع، بتوظيف كل الاتهامات الجاهزة، فلكل له قميص اتهام جاهز على المقاس، ممارسة الأبوية والحضانة المعرفية على الآخر

.

-أما سمات المريد فهي: المعرفة المسطحة والخنوع المأدلج، التبعية التراجيدية.، الآلية في العمل، لخلاء العقلي كما في الدراسات العقلية النفسية.

للعلم ففلسفة الشيخ والمريد هي فلسفة قابعة في أبجديات الفكر الراديكالي بكل تلاوينه: الفكرية والمذهبية والدينية والإيديولوجية والسياسية والثقافية، وبالتالي من الممكن أن يتم إسقاطها في جميع الميادين والمجالات، ويبقى العقل المتفتح المنير والمستقل هو الوحيد القادر على تفجير هذه الثنائية العقيمة التي ساهمت في تسطيح النظريات العلمية والمعرفية في التراث الإنساني، وتبخيس قيمة العقل الفعال، نعمة العقل، روح التكريم الذي به يتم التكليف.

* باحث في تاريخ المذاهب والفلسفة والأديان بجامعة محمد الخامس كلية الاداب الرباط .


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...