ياسر جوهر يعود من جديد.. هل هي معركة أخيرة لكسر النحس الانتخابي؟ أم يضيف خيبة جديدة إلى سجله؟
حرية بريس
كلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت حرارة المعركة الانتخابية بمدينة فاس، وتحولت دائرة فاس الشمالية إلى ساحة مفتوحة للصراع على أربعة مقاعد فقط، حيث لا مكان للمجاملات ولا هامش للخطأ. هنا، لا تكفي الرغبة في الفوز، ولا تنفع الشعارات وحدها، فالمعركة تُحسم بالقواعد الانتخابية، والانضباط التنظيمي، والقدرة على تحويل الحضور السياسي إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
ومن بين الأسماء التي عادت إلى واجهة السباق، يبرز ياسر جوهر، وكيل لائحة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يخوض تجربة جديدة بعد محاولتين سابقتين في الانتخابات البرلمانية بدائرتي فاس الشمالية وفاس الجنوبية، انتهتا دون أن ينجح في الوصول إلى قبة البرلمان. وكان آخر اختبار له خلال الانتخابات البرلمانية الجزئية بدائرة فاس الجنوبية يوم 23 أبريل 2024، حين حصل على 2642 صوتا، مقابل نحو عشرة آلاف صوت للفائز خالد العجلي.
ويعود جوهر هذه المرة وهو يرأس مقاطعة فاس المدينة، غير أن رئاسة المقاطعة لم تتحول، إلى حدود الآن، إلى رافعة انتخابية قادرة على قلب موازين القوى داخل دائرة اعتادت أن تفرز أسماء ذات امتداد تنظيمي وانتخابي أقوى. فالمنصب، مهما كان بريقه، لا يساوي تلقائيا رصيدا انتخابيا، والناخب الفاسي لا يمنح صوته بالضرورة لمن يشغل موقعا، بل لمن يملك القدرة على إقناعه بأنه يستحقه.
أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيخوض هذه المواجهة وهو مثقل بتراجع سياسي واضح، بعدما فقد كثيرا من الوهج الذي صنع أمجاده في مراحل سابقة. وجوه مؤثرة غابت، وقواعد انتخابية تفرقت، وحضور تنظيمي لم يعد بالقوة نفسها، فيما تحولت الذاكرة التاريخية للحزب من ورقة رابحة إلى عبء لا يكفي وحده لاستعادة الثقة.
ولا يتوقف النزيف عند حدود التراجع العام، إذ إن الحديث داخل البيت الاتحادي عن استمرار الخلافات بين تيار ياسر جوهر وتيار جواد شفيق يضع الحملة أمام امتحان حقيقي. فحين ينقسم التنظيم على نفسه، تصبح التعبئة أكثر صعوبة، وتتحول كل حملة انتخابية إلى معركة داخلية موازية. وفي مثل هذه الأجواء، لا يحتاج الخصوم إلى بذل جهد كبير؛ يكفيهم أن يتركوا الخلافات تفعل فعلها، وأن يراقبوا القاعدة الانتخابية وهي تتآكل من الداخل.
وفي دائرة تعرف منافسة شرسة داخل مقاطعات وازنة مثل المرينيين وزواغة ، تبدو مهمة جوهر أكثر تعقيدا. فالمقعد البرلماني لا يُنتزع بالظهور الإعلامي وحده، ولا برئاسة مقاطعة، ولا بتاريخ الحزب، بل يحتاج إلى كتلة انتخابية صلبة، وتحالفات ميدانية فعالة، وحملة قادرة على الوصول إلى الناخبين في الأحياء والدوائر التي تُصنع فيها النتائج بعيدا عن الأضواء.
ياسر جوهر أمام اختبار لا يشبه ما سبقه. فالفوز، إن تحقق، لن يكون مجرد مقعد برلماني، بل سيكون انقلابا على سلسلة من النتائج السابقة، وإعلانا بأن الرجل استطاع أخيرا تحويل موقعه السياسي إلى قوة انتخابية حقيقية. أما الخسارة، فلن تُقرأ باعتبارها تعثرا عابرا، بل باعتبارها دليلا جديدا على أن الحضور المؤسساتي لا يكفي، وأن قيادة المقاطعة لا تعني بالضرورة قيادة صناديق الاقتراع.
ومع اقتراب يوم الحسم، يبقى السؤال الأكثر قسوة: هل يخوض ياسر جوهر هذه المعركة من أجل الفوز فعلا، أم أن المشاركة أصبحت غاية في حد ذاتها؟ فإما أن ينجح في صناعة المفاجأة وانتزاع أول مقعد برلماني في مسيرته، وإما أن تتكرر الخيبة، ويجد نفسه أمام السؤال الذي يلخص مرارة البدايات والنهايات: «لو كنت أعرف خاتمتي ما كنت بدأت».
