من جهل شيئا عاداه – دفاعا عن اللغة العربية والوحدة الوطنية

وديع كيتان

[email protected]


تعددت وتلونت المحاولات اليائسة لطمس اللغة العربية وإشعاعها البراق والتقليل من أهميتها كلغة سائدة وفارضة لنفسها، فهي لغة القرآن الحكيم ولغة الحضارة العربية الإسلامية التي سطعت على الغرب وكانت السبب في تقدمه وازدهاره.

وقد كاد المستعمر خلال فترة احتلاله لكثير من الدول العربية أن يدفن كل مقومات حضارتنا العظيمة وكان يركز في ذلك على اللغة بشكل رئيسي كونها الحافظ الأول لتلك الحضارة بتراثها وموروثها، فخابت آماله وتكسرت أحلامه وفشلت محاولاته بفضل تصدي شعوب تلك الدول لسياسة التغريب ولفطنتهم بأهداف المحتل الخبيثة في محو الهوية والثقافة العربيتين.

ولكن الفضل الأكبر يعود لله تعالى كونه المتعهد الأبدي بحفظ القرآن الكريم، هذا الحفظ الذي لا يمكن أن يتأتى إلا عبر حفظ لسان هذا الكتاب الذي أنزل به وهو اللسان العربي المبين.

وبالرغم من هذا الضمان وصمام الأمان الإلهي، فلا بد لنا نحن كأصحاب اللسان العربي وكمسلمين أن نكون من الأسباب المُسخرة من لدنه عز وجل لحماية اللغة العربية والحفاظ عليها، خصوصا ونحن نعيش كل فترة هجمات أو شطحات غير محسوبة العواقب، بعضها مدعومة بشكل خفي ومدسوسة من العدو الخارجي، والبعض الآخر يحاول أصحابها بلوغ مطامع سياسية، والباقي لا يجد شماعة غير اللغة العربية فيعلق عليها كل الفشل والتقهقر اللذين أصابا الجسم العربي، لا لشيء إلا لجهلهم بهذه اللغة وقيمتها والذي ولد لهم عقدة نقص تجاهها، فأصبحت العداوة قائمة، وانطبق عليهم المثل الشهير: “من جهل شيئا عاداه”.

وآخر هذه المحاولات اليائسة، تلك الخرجة الإعلامية أو الإشهارية لمؤسسة زاكورة لصاحبها نور الدين عيوش، والذي تقدم بتوصيات إلى مؤسسات الدولة العليا تقتضي بتدريس الدارجة المغربية واعتمادها كلغة للمدرسة المغربية خصوصا في المستويات التعليمية الابتدائية.

وبالمناسبة وللتذكير، فالمؤسسة المذكورة كانت في الأصل مؤسسة للقروض الصغرى تم بيعها فيما بعد للبنك الشعبي، ثم بعد ذلك تحول نشاط رئيسها الفاعل الجمعوي الذي كان في الأصل خبيرا في الإعلانات ب 360 درجة وقام بتأسيس أخرى تهتم بالتربية والتعليم !!!!

لن ندقق في هذا التحول الميتافيزيقي الذي لم نكن لنشير إليه لولا تلك الخرجة الإعلامية موضوع المقال، فهذا شأن لا يعنينا، ولكننا سوف نركز في نقدنا على مضمون توصيات الندوة التي نظمتها تلك المؤسسة بخصوص الدارجة والمدرسة وكذلك عن القيمة العلمية لتلك القرارات وخطرها إن تم اعتمادها أو حتى التفكير فيها.

أولا :

كان من الممكن أن نعتبر ما تقدم به رئيس مؤسسة زاكورة، بخصوص الدارجة واقتراح تعويضها للغة العربية في مجال التدريس، رأيا خاصا واجتهادا مقبولين، لو أنه اكتفى بذلك كفكرة في مقال أو في نشرة مؤسسته الدورية أو في أي مكان آخر.

ولكن أن يقدم توصيات إلى المؤسسات العليا للبلاد بدءا من الديوان الملكي ومرورا بالحكومة والوزارة المعنية …. ، فهذا ما يمكن أن نسميه ارتجالا واضحا لا يتصور عاقل أنها يمكن أن تصدر عن مؤسسة جمعوية رئيسها فاعل جمعوي قيدوم، وعن مسؤولين كبار ساهموا في الندوة، كلامهم ليس ككلام العامة أو ك “أيتها الناس” كما يقول المغاربة “بالدارجة”.

ثانيا :

مسألة اللغة ولغة التدريس هي مسألة قومية واستراتيجية وليست قضية عابرة يمكن الخوض فيها في ندوة عابرة أو جلسة خاصة داخل جمعية أو حتى برنامج تلفزي أو إذاعي، ثم يخرج منها المتحاورون بتوصيات خطيرة يمكن أن تغير نظام التعليم ككل وتغير نظرة المغاربة للغة بشكل عام، فقضية اللغة تستدعي تحاور جميع الفاعلين من اختصاصات عدة (اللسانيات، الفونيتيك أو علم الصوتيات، الفونولوجيا أو علم وظائف الأصوات، البيداغوجيا، علم النفس التربوي، علم الاجتماع….).

وأنا لا أقول هذا الكلام من فراغ، بل من باب الاحتكاك بمن عملوا في حقل التربية منذ أجيال وكانوا يجتهدون ويعملون وهم يحملون هم التعليم على عاتقهم، ومن بينهم والدي حفظه الله، العلامة الأستاذ محمد كيتان، الذي يعتبر قيدوما في مجال التربية والتعليم وتقلد عدة مناصب فكان أستاذا جامعيا ومفتشا عاما ثم ممتازا بمجموع المملكة، وكون أجيالا من موظفين ساميين وأساتذة ومفتشين من خلال تدريبهم بيداغوجيا وتأهيلهم للقيام بعملية التدريس، وكان يرأس لجانا لتهيئة البرامج التعليمية، كيف لا وهو المختص بالتربية وعلم النفس واللغة العربية والفلسفة، وترعرعت وسط هذا الزخم من المسؤوليات التي كان يتحملها والدي واكتشفت خلالها أن العمل في الحقل التربوي هو لا يقدر عليه إلا ذوو الهمم والمتسلحين بشتى أدوات المعرفة.

ما يترك في نفسي حرقة، هوكيف يأتي الآن من يتجرأ على الخوض في مسألة اللغة ولغة التدريس، ويكتب بجرة قلم مالم يستطع قوله ولو مزاحا جهابذة التربية والتعليم ؟؟؟

ثالثا :

القضية المثارة في تلك الندوة المذكورة هي قضية مليئة بالمغالطات الموضوعية والمنهجية، فنحن لا نعلم ماذا كان جدول أعمال الندوة، ولماذا أثيرت، وما دافع التحاور أو الباعث الأساسي للخوض في موضوع كهذا، هل هو أزمة التعليم، أم أزمة التدريس في القرية أو بشكل عام، أم فشل السياسة التعليمية، أم أزمة برامج، أم الهدر المدرسي ….

المغالطة المنهجية الرئيسية :

منهج الاشتغال في هذا الحقل وفي قضية اللغة بالذات يكاد يكون منعدما، إذ كيف يمكن إثارة قضايا كبيرة مثل التي ذكرناها أعلاه بهذه البساطة وبهذه الكيفية ؟؟

كيف يمكن اختزال أسباب فشل التعليم وأزماته في مسألة تدريس الدارجة من عدمه ؟

كيف تم استنتاج سبب الهدر المدرسي والذي ركز عليه رئيس المؤسسة بشدة، على أنه التدريس باللغة العربية الفصحى ؟

أي دراسة أفضت إلى ذلك ومن قام بها، وبأي أدوات اشتغلوا بها وأي أبحاث استعانوا بها ومن أصحابها إلى غير ذلك ؟؟؟؟

المغالطة الموضوعية الرئيسية :

ما هو مفهوم المتناظرين في الندوة المذكورة حول الدارجة ؟؟؟

بل كيف فهموا أنها لغة أخرى؟؟؟ وهذا ما يمكن أن يستنتجه المتتبع من الفكرة العامة للتوصيات !!!

هل يعلم هؤلاء أن الدارجة المغربية وغيرها من الدارجات في البلدان العربية هي مجرد مستويات متدنية من اللغة العربية ؟؟؟ وأن لكل لغة دارجتها ؟؟؟؟

وأن الدارجة المغربية هي بكل بساطة عربية محكية ومتداولة يتكلم بها عامة المغاربة، و تسمى أيضا “العامية” ؟؟؟

كيف يمكن تدريس مستوى متدني اللغة من أجل أي هدف معين ؟؟؟؟

ألا يعلم هؤلاء بأن الدارجة هي أولا وقبل كل شيء لهجة وليست لغة ؟؟

فللغة سمات وخصائص مميزة لا تشترط ولا تتوفر في الدارجة و لا في اللهجات..

وأنا هنا لا أريد أن أعدد جميع المغالطات التي حملتها التوصيات والتي خلقت هذا التشويش، لأنه لا مجال لحصرها في هذا المقام وفضلت فقط أن أشير إلى أهمها.

وأختم بمغالطة مهمة ارتكبها المتناظرون عندما أقدموا على اقتراح توصية تدريس الدارجة وهي :

هل سبب دخول الأطفال للمدرسة والهدف منه هو تعلم لغة التحاور فيما بينهم أم الغرض من التمدرس هو القضاء على الأمية والجهل وتعلم أدوات مساعدة على اكتساب المعارف والعلوم وبالأساس بالنسبة للمسلمين هو فهم دينهم والقرآن الذي بين أيديهم ؟؟؟؟؟

هل دور المدرسة هو استقبال أطفال صم جاءوا من بيوتهم لا يستطيعون التفاهم مع أسرهم، فتعلمهم أبجديات الكلام مثلا أم ماذا ؟؟؟؟؟

من الطبيعي أن الأطفال لا يأتون للمدرسة وهم يتواصلون بالإشارات !! وهم لا يأتون لتعلم اللهجات، لأن اللهجة هي لغة شفوية يتعلمها الإنسان بالممارسة ومنذ نعومة أظافره، وأما المدرسة فدورها تعليم اللغة المكتوبة والتي لها قواعد وأصول وبنيات وتراكيب تمكن من التعرف على تراث الحضارات وشتى العلوم والآداب والمعارف التي كتبت بهذه اللغة.

ثم هناك فرق بين لغة التخاطب والحوار الذي يستعملها المعلم مع التلميذ، وبين لغة التدريس، وبين اللغة كمادة مُدرسة (بضم الميم).

أما إذا كانت التوصيات المذكورة تقترح الدارجة كلغة تخاطب بين المعلم والتلميذ خصوصا في السنوات الأولى الابتدائية، فهذا تحصيل حاصل، ولا يستدعي كل هذا الضجيج.

فنحن نعلم ويعلم الجميع أنه حاليا ومنذ أن خُلقت المدرسة يكون المعلم واعيا بأن لغة التخاطب التي يجب أن يستعملها في الحوار مع التلميذ في المراحل التعليمية الأولى هي اللغة التي يفهمها هذا الأخير، وفي العصر الحالي هي الدارجة، وإلا فكيف سيكون هناك تواصل ؟؟؟ ثم تنتقل لغة التخاطب إلى لغة المادة المُدَرسة، فإذا كانت عربية فهي العربية وإن كانت فرنسية فهي الفرنسية وإذا كانت الرياضيات فهي لغة المقرر المكتوب، وهلم جرا… كل ذلك بحسب المستوى المعرفي للتلميذ وتمكنه من لغة التدريس.

أما الدعوة إلى تدريس الدارجة، فهي دعوة إلى مسخ اللغة العربية ليس إلا، وفي أحسن الأحوال سيصبح الفصل الدراسي عبارة عن “سيرك” يأتي فيها الأطفال للتسلية والترويح عن أنفسهم.

كان من الأفضل لنور الدين عيوش ومؤسسته التي يكرسها للنهوض بمجال التربية والتعليم، أن تطلق أوراشا خاصة بالبحث عن أسباب أزمة التعليم الحقيقية ووضع اليد على معيقات تطور التعليم في زمن الماديات والمصالح والعولمة الزائفة، ودعوة جميع الفاعلين وتحسيس المسؤولين والمواطنين بخطر تقهقر التعليم وتأثيره الشديد على الأمة، عوض التركيز على اللغة العربية وجعلها شماعة تُعلق عليها كل تلك الأسباب.

وكان على الأقل بل من السهل أن ينظر أولئك إلى تجارب الإخوة في المشرق العربي وخصوصا لبنان والذين فشلوا في تكريس هذا الخطاب، عوض أن يتعاملوا مع هذا الملف بهذه البساطة بل بهذه السذاجة.

إن الأدهى مما خرج به المتناظرون من الندوة، والذي أعتبره أخطر من مجرد سحابة عابرة، هي المنهجية المتبعة من طرف هذه المؤسسات وطريقة طرحها ومعالجتها لقضايا حساسة ومصيرية مثل قضية اللغة والتعليم، والتي تتم بشكل ارتجالي متسرع وغير مسؤول، تُضرب خلالها كل المناهج العلمية والضوابط العقلانية بعرض الحائط.

وغالبا ما يتم في هذه الندوات تسويق أفكار وطروحات مستمدة غالبا من دراسات لمنظمات لا تُعرف أهدافها ولا غاياتها ولا طرق اشتغالها، فتنتشر بسرعة البرق في عصر التكنولوجيا والإعلام الالكتروني.

وهنا يكمن الخطر ويصبح من الواجب على أصحاب الضمائر الحية وأصحاب الذمم والغيورين على هذا البلد (المغرب) وعلى هذه الأمة وعلى هذا الدين (الإسلام)، وأعتبر نفسي واحدا منهم، أن يتصدوا لمثل هذه الشطحات التي تضر ولا تنفع، والتي أعتبرها إشهارية بالدرجة الأولى، كيف لا وصاحب المؤسسة خبير قديم في الإشهار، والذي أعتبره لا يعي خطورة ما ذهب إليه فهو ربما كانت نيته سليمة في المساهمة في إصلاح التعليم، ولكنه من الواضح غُرر به في هذه القضية فلم يستوعب خطورة ما تقدمت به مؤسسته ومدى تأثيرها البالغ على مسار التعليم، بل نخشى أن يكون مشروعا لما يمكن أن يقوض الوحدة الوطنية التي حافظ عليها الأجداد وما زال يحافظ عليها المخلصون من الأحفاد.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...