مستشفى الرازي بسلا.. صرحٌ يتجاوز العلاج إلى صناعة الأمل
حرية بريس غزلان
منذ سنوات طويلة، يظل اسم مستشفى الرازي للأمراض النفسية والعقلية بسلا حاضرًا كإحدى العلامات الفارقة في المنظومة الصحية المغربية. فالمؤسسة لم تُبْنَ لتكون مجرد فضاء لاستقبال المرضى، بل لتصبح مرجعًا وطنيًا في رعاية من طالما وُضعوا على هامش الاهتمام: المرضى النفسيون وضحايا الإدمان، وكل من اضطرته الحياة لمواجهة اضطرابات عقلية قد تغيّر مساره بالكامل.
ورغم قلة الأسرة وإكراهات الموارد، نجح المستشفى في ترسيخ مكانته داخل المغرب وخارجه، بفضل مجهودات طاقمه الطبي والتمريضي والإداري، الذين جمعوا بين المهنية العالية والبعد الإنساني. فالمريض هنا لا يُعالج بالدواء وحده، بل يجد حضنًا دافئًا يخفف عنه قسوة التجربة، في معاملة لا تفرّق بين غني وفقير.
اليوم، ومع تعيين البروفيسور عبد الرزاق وناس مديرًا للمؤسسة، تُفتح صفحة جديدة في مسار الرازي. الرجل ليس غريبًا عن المكان؛ فقد كان نائبًا للمدير لسنوات، ورافق عن قرب البروفيسور جلال التوفيق في إدارة هذا الصرح. خبرته الطويلة جعلت منه الأقدر على مواصلة البناء، ودفع المستشفى نحو آفاق أرحب. شهادات العاملين والمرضى على حد سواء تجمع على أنه رجل كفاءة وقرب وإنصات.
لكن نجاح الرازي يثير سؤالًا جوهريًا: لماذا يظل نموذجًا استثنائيًا في بلد بحجم المغرب؟ الحاجة متزايدة لمؤسسات مماثلة، والجواب لا يكمن فقط في تشييد مبانٍ أو توفير تجهيزات، بل في تكوين أطر متمرسة قادرة على الجمع بين الحرفية والبُعد الإنساني. التحدي اليوم هو تعميم التجربة، حتى لا يظل المريض النفسي مضطرًا لقطع مسافات طويلة بحثًا عن العلاج، أو عالقًا في أسر الوصمة الاجتماعية.
إن تجربة مستشفى الرازي تؤكد أن النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تراكم جهود ووفاء رجال ونساء نذروا أنفسهم لخدمة الصحة النفسية. ومع القيادة الجديدة للبروفيسور وناس، يبدو المستقبل واعدًا بمزيد من الارتقاء، وترسيخ مكانة المستشفى كمدرسة وطنية في الطب النفسي، ونموذج لإدارة ناجعة رغم محدودية الإمكانات.
فالرازي ليس مجرد مستشفى؛ إنه قصة إنسانية، ودليل حيّ على أن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل ركيزة أساسية لاستقرار الأفراد والمجتمع.
