الملك محمد السادس نصره الله يوصي بالعطف على الضعفاء… وعمدة فاس يرفض حتى الاستماع إليهم
حرية بريس
في مدينة فاس، العاصمة العلمية والروحية للمملكة المغربية، التي لطالما كانت منارة للعلم والعطاء والرحمة، تتكرر اليوم قصة إنسانية مؤلمة تعكس حجم الهوة بين الخطاب الاجتماعي الرسمي والواقع المعيش. فبين جدران المركز الاجتماعي بباب الخوخة، يعيش عدد من الشباب الذين وُلدوا داخل مؤسسة خيرية، أو وجدوا فيها ملاذًا من قسوة الحياة، حاملين معهم أحلامًا بسيطة وأملاً في أن تُفتح أمامهم أبواب الاندماج في المجتمع، غير أن هذا الأمل اصطدم مؤخرًا بقرار مؤسف حين رفض عمدة فاس استقبال ممثلي جمعية رؤية المستقبل للتنمية والشباب، الذين تقدموا بطلب رسمي لعقد لقاء تواصلي قصد مناقشة مشاريع اجتماعية وإنسانية لفائدة هذه الفئة التي لا تملك سوى كرامتها وإصرارها على العيش بشرف.
لقد وجهت الجمعية بتاريخ 16 أكتوبر 2025 مراسلة رسمية إلى السيد رئيس جماعة فاس، عبّرت فيها بلغة الاحترام والتقدير عن رغبتها في لقاء مفتوح هدفه الأساسي بحث سبل إدماج أبناء المركز الاجتماعي في الحياة المهنية والاجتماعية. المراسلة كانت أنيقة في صياغتها، مؤطرة بالقانون وبالقيم الوطنية، خالية من أي طابع احتجاجي أو سياسي، بل مفعمة بروح المواطنة الصادقة والإيمان بالتعاون بين مؤسسات المجتمع المدني والجماعة المحلية من أجل خدمة الصالح العام. غير أن المفاجأة كانت صادمة حين لم تتلق الجمعية أي جواب، لا بالقبول ولا حتى بالاعتذار، وكأن الرسالة ضاعت في طريقها إلى الضمير.
إن تجاهل مثل هذا الطلب الإنساني النبيل ليس مجرد تفصيل إداري عابر، بل هو مؤشر مؤلم على تراجع القيم التي يفترض أن تحكم تدبير الشأن العام المحلي، خاصة في مدينة فاس التي كانت دوماً مرجعاً في الكرم والتضامن والرحمة. فأبناء الخيرية ليسوا غرباء عن هذا الوطن، بل هم جزء من نسيجه الاجتماعي، يستحقون أن يُسمع صوتهم وأن تمتد إليهم يد الدعم لا العزلة. إنهم شباب يملكون طاقات ومواهب، فيهم من يتقن حرفة، ومن يحلم بإكمال دراسته، ومن يطمح إلى أن يصبح فاعلاً في مجتمعه. لكنهم جميعاً يشتركون في جرحٍ واحد: الإحساس بأن المجتمع يراهم كأرقام هامشية، لا كأرواح تبحث عن فرصة حياة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل، بكل محبة وصدق: هل سيرضى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وهو المعروف بإنسانيته وقربه من جميع فئات شعبه، أن يُغلق باب في وجه أبناء الوطن؟ كيف يمكن أن يُحرم شبابٌ يتيم من فرصة لقاء مسؤول محلي، في حين أن ملك البلاد يمد يده دائماً نحو الفقراء والمحتاجين ويحرص على إدماجهم في التنمية الوطنية؟ إن هذا التناقض بين روح التوجيهات الملكية وسلوك بعض المنتخبين يُثير أسفاً عميقاً، ويجعل من الواجب إعادة النظر في مفهوم المسؤولية، التي يجب أن تكون تكليفاً لخدمة المواطن لا تشريفاً للوجاهة.
لقد قال جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة إن “الإنصات إلى هموم المواطنين، وخاصة الفئات الضعيفة، واجب وطني قبل أن يكون مسؤولية سياسية”، وإن “كرامة المواطن هي أساس كل تنمية حقيقية”. هذه العبارات الملكية ليست مجرد توجيهات، بل هي فلسفة حكم، ورؤية شاملة تجعل من الإنسان محور كل سياسات الدولة. فكيف يُعقل بعد هذا أن يُغلق مسؤول محلي باب مكتبه في وجه من يسعى للحوار والعمل المشترك؟ وكيف يمكن أن تُرفع التقارير عن الإنجازات، بينما تُترك الفئات الضعيفة على هامش المدينة؟
في زمن تتسابق فيه الدول لبناء الإنسان قبل البنيان، نجد أنفسنا أمام وضع يجعل من الفئات الهشة آخر من يُفكر فيه، رغم أن خطاب التنمية البشرية الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله يضع الإنسان في صميم المشروع الوطني. إن أبناء المركز الاجتماعي بباب الخوخة لا يطلبون إحسانًا ولا شفقة، بل يطالبون بحقهــم في الكرامة، في التكوين، في التشغيل، في الحياة الكريمة التي تجعلهم يساهمون في تنمية وطنهم بدل أن يكونوا ضحايا النسيان.
إن المسؤولية هنا لا تقع فقط على عاتق الجماعة، بل هي مسؤولية جماعية تشمل المجتمع المدني والقطاع الخاص، لأن إدماج هؤلاء الشباب ليس ترفًا اجتماعيًا بل هو واجب وطني وإنساني. فكل شاب يتم إنقاذه من العزلة هو مشروع مواطن صالح، وكل يد تمتد إليه هي استثمار في مستقبل الوطن. إن رفض الحوار معهم هو إغلاق لباب الأمل، وتكريس لثقافة الإقصاء التي لم ولن تبني مجتمعا متوازنا أو مدينة متصالحة مع ذاتها.
لقد آن الأوان لأن تعود فاس إلى روحها الأولى، روح العلم والإحسان والتكافل. فكرامة الإنسان هي أعظم مشروع يمكن أن تتبناه أي مدينة، واهتمامها بفئاتها الضعيفة هو المعيار الحقيقي لتحضرها. أبناء الخيرية لا يحتاجون كلمات الشفقة ولا صور المناسبات، بل يحتاجون من يصغي إليهم بصدق، ومن يمنحهم فرصة عادلة ليكونوا جزءاً من مسيرة البناء. إنهم جزء من هذا الوطن، والوطن الذي لا يحتضن أبناءه جميعاً، لا يكتمل جماله ولا صدقه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يردده كل من يعرف هذه القصة: كيف يمكن لمدينة بحجم فاس أن تغلق باب الحوار في وجه من لا يملكون إلا الأمل؟ أليس من واجب المسؤولين أن يكونوا جسوراً بين السلطة والإنسان؟ إن التاريخ لا يتذكر من شيد الجدران فقط، بل يخلّد من فتح الأبواب.
