براءة مبارك إهانة لمصر
توفيق بوعشرين
خرج مبارك وعصابته من السجن وحكم البراءة في أيديهم بعد ثلاث سنوات من المحاكمات الصورية كسبا للوقت، حتى تبرد حرارة الثورة وتستعيد الدولة العميقة توازنها. ليس هناك من قضاء في مصر يمكن أن يحاكم رئيساً حكم 30 سنة وترك مصر عظما بلا لحم. القضاء هو نفسه يحتاج إلى من يحاكمه على فساده وجبنه وتبعيته ومساهمته في جريمة الانقلاب على رئيس منتخب. خرج «الريس» من قفص الاتهام لأن فيلم 25 يناير انتهى، ولأن الثورة ماتت يوم 30 يونيو عندما انقلب وزير الدفاع، عبد الفتاح السيسي، على رئيسه محمد مرسي، والآن حان موعد دفن الثورة، وكأي فقيد كبير لا بد أن تكون الجنازة في مستوى الرحيل… خروج مبارك سالما مع نجليه ووزير داخليته ورجال أعماله الفاسدين من قاعة المحكمة نهاية مرحلة وبداية أخرى…
لقد سقط ما بقي من ورق على عورة الثورة المضادة التي تجند في صفوفها فلول الداخل والخارج، ووضع رهن إشارة الانقلابيين، لأول مرة في التاريخ، أكثر من 40 مليار دولار (السيسي اعترف في حملته الانتخابية لرئاسة مصر بأن السعودية لوحدها ساعدت مصر إبان محنتها بأكثر من 20 مليار دولار، ولنا أن نتخيل كم دفعت الإمارات والكويت مقابل إنجاح مشروع الثورة المضادة مخافة أن تعبر الشرارة البحر إلى دول أخرى).
أمس صدم المصريون بخروج مبارك من المحكمة إلى بيته وعلامات النصر على وجهه المتخشب. صدم من كانوا يتوهمون بأن الجنرال السيسي جاء لإنقاذ مصر من ظلام الإخوان بخروج مبارك من السجن إلى شاشات التلفزة لإعطاء تصريحات للإعلام، وبذلك تكون مصر قد رجعت بعقارب السياسة إلى ما قبل 25 يناير 2011 إلى تحالف الاستبداد مع الفساد لحكم مصر بواسطة الأمن والإعلام ورجال الأعمال الفاسدين، والباقي تتكفل به الانتخابات المزورة لإقامة برلمانات شكلية لتوطيد العلاقات مع إسرائيل لتدافع عن الاستبداد العربي في أوروبا وأمريكا باعتباره الواقي من الأصولية والديمقراطية، ولتحصين هذه الوصفة تعلن مصر انخراطها الكامل في الحرب على الإرهاب…
الرئيس الذي حكم 30 سنة، وزور انتخابات عدة مرات، وباع الغاز بثمن تفضيلي لإسرائيل، وأطلق النار على المتظاهرين، وأطلق يد عائلته والمقربين منه في اقتصاد مصر، يخرج من المحكمة براءة، والرئيس الذي حكم سنة واحدة، وجاء على ظهر الثورة في انتخابات شفافة شهد العالم أجمع بنزاهتها يقبع في السجن منذ سنتين تقريبا لأنه متهم بالتخابر مع حماس!
عندما يصل نظام، أي نظام، إلى هذه الدرجة من الاستخفاف بعقول المواطنين، فإنه يحفر قبره ولو بعد حين، السؤال: كم من الوقت سيستغرق الأمر؟ وما هي التكلفة المقبلة لتصحيح الوضع؟ وكم تحتاج مصر من الدماء لغسل هذا العار؟ عار قتل الأمل في الإصلاح.. عار إهانة دماء الشهداء.. عار الظهور أمام العالم كبلد وشعب أنجز ثورة سلمية حضارية بأفضل من فيه من شباب، وفي النهاية جاء العسكر وسرق كل شيء، ويعود مبارك إلى صدارة المشهد وكأن المصريين لا يستحقون حاكما غيره. حكم براءة مبارك هو حكم مزدوج؛ على واجهته الأولى عفو شامل عن جرائم النظام، وفي الواجهة الثانية حكم إدانة للثورة التي تجرأت على الوقوف في وجه الطاغية.. الباقي تفاصيل وحرب خدع إعلامية وأغطية للتضليل…
العالم كله يعرف أن الذي صنع ثورة مصر ليس الإخوان المسلمين، وأن هؤلاء التحقوا في الربع ساعة الأخيرة بميدان التحرير، وأن بعضهم كان مترددًا في ركوب القطار، وبعضهم الآخر كان مستعدا للتفاوض مع حسني مبارك على الفتات. الذي صنع الثورة هم الشباب واليأس من الإصلاح، والفساد الذي استشرى في كل مكان من جسم المحروسة.
صحيح أن الإخوان استفادوا من مرحلة ما بعد الثورة لأنهم كانوا الأكثر تنظيما وتغلغلا في النسيج الاجتماعي، لكن في سنتين بددوا الكثير من رصيدهم، وكانت شعبيتهم تتراجع يوما بعد آخر، ولو تُركوا ليقول الشعب فيهم كلمته لكانوا الآن في المعارضة، لكن الدولة العميقة وتحالف دعم الاستبداد العربي كانا ضد الديمقراطية، بغض النظر عمن تأتي به هذه الديمقراطية إلى الحكم، أكان إسلاميا أم علمانيا أم شيوعيا.. هذه هي الحكاية، والباقي خدع بصرية انطلت على كثيرين، إما لأن العداء الإيديولوجي للإسلاميين أعماهم، أو لأن مهارة الساحر وإعلامه ومفرقعاته وأرانبه لحست عقولهم…
