بين فوضى التكفير وعشوائية التفكير

 

وديع كيتان

[email protected]

 

في عالم مليء بالمتناقضات، ليس بالغريب أن نُفاجأ بخرجات إعلامية من لدن أناس تستهويهم الشهرة فيبحثون لأنفسهم عن مكان وسط عالم أصبح يطبل للتافهين ويتفنن في صناعة أبطال من ورق، مستغلين تواجدهم بواقع تسود فيه الفوضى والعشوائية.

فمن الطبيعي أن يكثر اللغو والحشو والكلام غير المسؤول.

يقول تعالى : (( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ))

إن من يؤمن بقوله عز وجل ويستشعر قيمة هاته الآية الصغيرة في كلماتها والكبيرة بمعناها ومدلولها، لا يمكن له أن ينطق بكلام لا يقدر عواقبه ولا نتائجه وما يمكن أن يترتب عنه من آثار مدمرة وهدامة.

نقول هذا الكلام ونحن نعيش في هذه الأيام وعشنا وما زلنا سنعيش أجواء تسودها تصريحات تافهة وتعليقات أتفه، تليها نقاشات سخيفة وجدالات عقيمة حول قضايا أثيرت بشكل غير مسؤول تغلب عليها اللامبالاة وفقدان الوعي الراشد من طرف أناس لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بمكنون المواضيع المثارة.

فمتى كان السياسيون يخوضون في أمور الدين خصوصا الشائكة منها، وكيف أعطوا لأنفسهم الحق في استصدار توصيات تخص قضايا دينية منها ما يعتبر من حدود الله التي لا يحق لأحد الاقتراب منها كمسألة الإرث ؟؟

وكيف أصبحوا بين ليلة وضحاها من متهافتين على الكراسي الانتخابية ومن متسلقين للمناصب السياسية، إلى فقهاء أو متفيهقين ؟؟

طبعا لست من الذين يغلقون باب الاجتهاد أو الخوض في أمور الدين من باب إغناء التراث الإسلامي والوصول إلى حلول لقضايا الأمة الإسلامية، كيف لا وأنا من أصحاب مشروع مراجعة الموروث الإسلامي والذي من أهدافه تقويم المعوج من المفاهيم الموجودة.

ولكن أن يتهافت أناس – خصوصا أصحاب جمعيات يقال عنها جمعيات حقوق المرأة، ولا أعلم أي حقوق وهمية يبحثون عنها، ومتى تم تحقيق أي شيء يذكر في هذا المجال ؟؟؟؟ – على ثوابت الدين ويتعاملون معها كما يتعاملون مع القوانين الوضعية، فهذا ما يسمى تجاوزا صارخا لحدود المسؤوليات المسموحة لهم، وهذا ما وصفناه في بداية مقالنا بعشوائية التفكير.

بالمناسبة وبخصوص العمل الجمعوي المهتم بالنساء، لا يجب فهم كلامي السابق على أنني ضد حقوق المرأة أو أي شيء من هذا القبيل، ولكني أؤمن أن المرأة المسلمة لها حقوقها الكاملة ولا تحتاج إلى جمعيات تستغل آلامها لكي تعطي لنفسها مصداقية وهمية (طبعا أستثني من كلامي هذا جمعيات محترمة تساعد الناس نساء ورجالا وتتكفل بهم وبمشاكلهم المادية والمعنوية من باب التكافل الاجتماعي).

أما أن تأتي بعض الجمعيات، وتحاول مغازلة النساء بالبحث لهن عن نصيب أكبر من الإرث غير الذي قسمه الله لهن، ويعتبرون ذلك مطالبة بالمساواة التي يرونها بمنظورهن القاصر، أو أن يحاولن مجاملتهن عبر منع أن يكون لأي منهن ضرة، و تلك رخصة من رخص الله عز و جل، لا يمكن لأي أحد أن يمنعها، على الرغم من أنني شخصيا ومثلي كثيرون يفهمون قضية تعدد الزوجات بشكل مختلف عما هو سائد في الثقافة الإسلامية الموروثة، ولكن يبقى مبدأ التعدد ثابت لا يتغير.

بشكل مختصر في هذه القضية، ولإزالة الغموض الذي يمكن أن يظهر للقارئ، فرخصة تعدد الزوجات قائمة، ولكنها مقيدة ومشروطة (والشرط هو مخافة أن يقسط في اليتامى أولئك الذين يعولونهم وأمهاتهم) كما ورد في قوله تعالى :

(( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ))

والزواج من امرأة أخرى ليس للنزهة وليس للشهوة، بل هو اضطرار تحكمه ظروف معينة، وهذا ما يجب أن يفهمه الناس، ولنا في هذا الموضوع الشائك تفصيل ممل وتحليل مستفيض في مقام آخر إن شاء الله.

نعود لموضوعنا الرئيسي، وبعد ما تكلمنا عن شقه الأول وعن الذين يثيرون هذه القضايا، نأتي إلى الشق الثاني، ونقول أن المسؤولية لا يتحملها فقط أولئك المتهافتون، الذين لهم أسبابهم الخاصة والغير المعلنة، فاللعبة السياسة هي صنعتهم والكل مباح في السياسة كما هو معروف، ولكن المسؤولية تقع أكثر على العلماء أصحاب الضمائر الحية أو بعضهم الذين تركوا الساحة فارغة أمام هؤلاء ليقولوا ما يقولوا، فكان من الواجب التفاعل مع الجمهور من قبل ومن بعد، عبر التواجد على الساحة الإعلامية، من أجل الدفاع عن ثوابت الأمة وذلك بشكل حضاري وسلمي يبين الوجه الحقيقي لديننا الحنيف، الدين الذي يكفل الحقوق للجميع أفرادا ومجتمعات، رجالا ونساء، وأن الفساد المستشري في مجتمعنا هو في أغلب الأحوال ليس له علاقة بالدين وإذا كان فهو نتاج فهم قاصر له، فالفهم الإنساني معرض للخطأ والصواب.

هذا الغياب المسجل، سيفرز طبعا نوعا آخر من العشوائية، يتجسد في فوضى التكفير الذي تبزغ مع كل ظاهرة من هذا القبيل، فيخرج لنا شيوخ لم نسمع عنهم شيئا، يتسرعون في إصدار الفتاوى وإطلاق الأحكام الفردية بناء على ثقافتهم المحدودة ومعرفتهم القاصرة لدين الله، فكونهم تسرعوا في التلقي، فهم يتسرعون في الحكم دون تحمل للمسؤولية والأمانة العظيمة، ولا معرفة لأبعاد فتاويهم التي تكون في غالب الأحيان متطرفة لا يقبلها ديننا الوسطي المعتدل.

فليس كل من نادى بمراجعة أمر ديني جهلا به فهو كافر !!!

وليس كل من أوحى إليه شيطانه بشيء من صنيعه فهو كافر !!!

فالخطأ وارد، والجهل المركب حاضر بقوة لدى العديد من المثقفين، فما أدراك بعامة الناس.

وحتى من يصرح بالكفر، فهناك مراحل عديدة يجب عبورها قبل أن نحكم بهذا الكفر، وبعد ثبوت ذلك وفي الأخير نترك الخلق للخالق.

فالحذر الحذر من الفتاوى غير المحسوبة العواقب، فليس كل الناس تفهم الفتاوى رأيا فقط (وهذا هو الصحيح) والسواد الأعظم يراها حكما واجب التطبيق، والبعض من المتطرفين يعتبرها إذنا بإقامة الحد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ومن جهة أخرى، نستنكر وبكل شدة، ما نعيشه من عشوائية التفكير، في مجتمع يعيش حرية غير مسبوقة، يستغلها من لا هم لهم إلا تحقيق مكاسب دنيوية، ولو على حساب مقومات ديننا وحضارتنا.

كل ما نعيشه هنا وهناك، أقل ما يمكن أن يقال عنه، هو ترجمة للامبالاة واللامسؤولية لأناس لا يدرسون أبعاد كلامهم المتسرع ولا يتقون فتنة يمكن أن تصيب الأمة من جراء ما يفعلون.

ومرة أخرى :

(الفتنة قائمة لعن الله من أيقظها)


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...