الربيع العربي يصل الى قطر


نجح امير قطر حمد ابن خليفة في الاستيلاء على السلطة دون مقاومة تذكر من قبل والده او القبائل التي كانت تدعمه. كما نجح في وضع بلاده على سكة اخرى مغايرة تماماً لتلك التي كانت تمشي عليها الامارة وهي نائمة في حضن امير تقليدي كان يبيع الغاز ويأكل ثمنه بلا ضجيج ولا سياسة ولا اعلام ولا تخطيط لدور صغير او كبير.يحكى عن الامير خليفة أنه كان يجلس في مكتبه ويوزع الشيكات بنفسه على أشباه الوزراء والمسؤولين لبناء مدرسة هنا ومستشفى هناك، واستيراد الطعام والشراب لشعبه الذي لا يتجاوز سكان حي في القاهرة بلا خطط ولا موازنة ولا مؤسسات دولة حديثة.كان الامير السابق يدير الدولة كشيخ قبيلة او عشيرة ستة اشهر في السنة، والباقي يقضيه في منتجعات سويسرا وفنادق اوروبا.

لما جاء الابن حمد الى السلطة بانقلاب ابيض على الاب غير كل شيء في الامارة التي كانت نائمة على كنز كبير لا تعرف سوى جزء من قيمته. اطلق مشاريع عمرانية ضخمة، وطور صناعة الغاز، وأرسى أسس اقتصاد حديث، ولكي يعلن للعالم ان هناك شيء يتحرك في بلاده، لم يقم بحملة علاقات عامة، بل انشأ قناة فضائية ستصبح علبة كبريت تشعل الحرائق في كل مكان. الجزيرة التي انطلقت من مبنى صغير في الدوحة ستصير امبراطورية إعلامية وذراعا ديبلوماسية تضرب في أنحاء العالم العربي. والوصفة ليست معقدة. جهاز إرسال، وطاقم صحافي قادم من البي بي سي، وإمكانات مالية، واترك الناس يعبرون عما في صدورهم بلا خطوط حمراء سوى ما يتصل بأصحاب الدار أما الباقي فله الضوء الأخضر

نجح الامير الجديد في خطته، وصارت بلاده هي الاعلى من حيث الدخل الفردي في العالم. واصبحت البلاد ورشا مفتوحا لبناء اقتصاد مغاير تماماً لاقتصاديات الخليج. اقتصاد قائم على الاستثمار في التعليم والخدمات وتطوير صناعة الغاز، بحيث لا يقتصر الامر على استخراج التصدير بل يضاف له التصنيع، أما أموال الفائض الريعي فتتجه للاستثمار في كبريات الشركات والمصانع الامبراطوريات العالمية. أما في الخارج فأصبحت قطر اكثر من تابع لأمريكا، صارت شريكا صغيرا وان كانت تستضيف اكبر قاعدة للجيش الامريكي في المنطقة، لكنها تحتضن حركة حماس الفلسطينية وتدعم حكومة غزة وتناهض احتلال امريكا للعراق إعلاميا وتبيع وتشتري مع ايران …

لسان حال الدوحة يقول حلفاء لأمريكا سيدة العالم نعم، لكن بهامش حركة لا تحرج الحاكم امام شعبه وتميزه عن غيره او هكذا يظن. على مافي المعادلة من تناقض فإنها أعطت لقطر هوامش للحركة ولصنع موقع في استراتيجية امريكا حامية كنوز المنطقة واستقرارها.

نجح الامير حمد في جل خططه، لكنه فشل في محو صورة الابن الذي ينقلب على والده في مجتمع بدوي تقليدي، يقدس الاب. لهذا وجد نفسه مكبل اليدين لا يستطيع ان يواكب الاقتصاد الرأسمالي بنظام سياسي منفتح وشبه ليبرالي اذا لم يكن ديمقراطي، ولا يستطيع ان يبني الى جانب التعليم الحديث مجتمعا حديثاً وتعدديا.

هنا يرى المراقبون بوادر مخطط تنازل الاب للابن عن العرش، اي طي صفحة الانقلاب الابيض، وفتح صفحة جديدة، بوجه شابب. انه تميم ولي العهد القطري، الذي اعده والده لهذه المهمة منذ عشر سنوات، رغم انه ليس كبير إخوته، لكنه اذكاهم وأشدهم حزما، وينتظر من الشاب تميم ان يقوم بالإصلاحات
السياسية المطلوبة في امارة تضع رجلها الاقتصادية في القرن الواحد والعشرين، فيما رجلها الثانية السياسية مازالت في مكانها في القرون الوسطى. الامير ورفيق دربه حمد بن جبر رئيس الحكومة ووزير الخارجية يعرفان بخبرتهما ان المعادلة القطرية كما هي الان لا يمكن ان تستمر أكثر من هذا، وان الجيل الذي درس في جامعات امريكا وأوروبا لن يقبل بنظام الإمارة الذي يعود الى تقاليد الصحراء العربية، وان الجيل الذي يستثمر في البورصة ويتحرك في الاسواق العالمية يحتاج الى حرية وشيء من الديمقراطية، وان الطبقات البورجوازية التي نمت في كنف الدولة واعطيات الامير، ستطلب غذا بما هو اكثر…
ةستطلب بحياة نيابية وحرية التعبير والحق في انشاء أحزاب سياسية والحق في توزيع عائدات الثروة..صحيح مازالت القبيلة تكبل هذا التحول، ومازالت الدولة تشتري صمت المواطن بنعم الرفاهية والمساعدات السخية، لكن الأبناء لا يشبهون الآباء، والعالم من حول قطر ومن على شاكلتها لم تعد تقاليد هذه الدول تقنعه، بل بالعكس انه ينظر اليها بازدراء.
ومهما حققت هذه الامارات النفطية من تطور مادي ونمو اقتصادي، فالعالم سيستمر في النظر اليها ككائنات منقرضة خرجت من المتاحف الى مسرح الحياة، لان هذه الأنظمة لا تتحدث لغة العصر. لغة الديمقراطية، وحكم المؤسسات، والتداول على السلطة، وحرية التعبير، واحترام حقوق الانسان وحرية تأسيس النقابات والأحزاب. هذه اللغة ليست خصوصية غربية او أمريكية لا تليق بالعربي، انها حضارة إنسانية وقيم كونية، وآخر ما توصل اليه العقل البشري من حلول لفتنة إدارة السلطة والمال بالعدل والقسطاس حتى وان كان عدلا نسبيا لكن الديمقراطية كما قال تشرشل (افضل نظام بين الأنظمة الفاسدة للحكم )
توفيق بوعشرين


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...