بين دنيا باطمة ومحمد العسري عندما ينتصر التاريخ على الضجيج
بين دنيا باطمة ومحمد العسري عندما ينتصر التاريخ على الضجيج
حرية بريس
اعتقدت دنيا باطمة وهي تكتب تدوينتها التي وصفت فيها فنانا بأن “مسيرته علاها الغبار” وأنه “شايب” أنها أصابت الهدف لكن يبدو أن السهم عاد إليها بعدما اعتبر عدد كبير من المتابعين أن المقصود هو الفنان محمد العسري لتأتي ردود الفعل بعكس ما كانت تتوقع إذ امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل التضامن مع العسري والإشادة بمسيرته وأخلاقه فيما تحولت التدوينة إلى نقاش واسع حول الفرق بين الفنان الذي يصنعه التاريخ والفنان الذي يصنعه الجدل.
أن تقول عن محمد العسري إن مسيرته علاها الغبار فذلك ظلم لتاريخ فني يمتد لأكثر من ثلاثة عقود. ثلاثون سنة من العطاء ومن الأغنية المغربية الأصيلة ومن احترام الجمهور ومن الابتعاد عن كل ما يسيء للفن. لم يكن العسري يوما من الباحثين عن البوز ولم يحتج إلى افتعال الأزمات حتى يبقى اسمه حاضرا لأن صوته وحده كان كافيا ليمنحه المكانة التي يستحقها.
أما وصفه بالشايب فهو وسام وليس إهانة. فالشيب سنة الحياة لكنه يصبح شرفا عندما يقترن بتاريخ نظيف وسيرة يشهد لها الجميع بالاحترام. أن تكون شايبا ويستقبلك الناس بالمحبة والدعاء والثناء أينما حللت خير ألف مرة من أن تكون حديث المنصات بسبب الخلافات والجدل الذي لا ينتهي.
محمد العسري لم يعله الغبار بل علاه الوقار. ولم تهزمه السنوات بل منحته قيمة لا تشترى. وما يميز الرجل ليس صوته فقط بل أخلاقه التي يعرفها القريب قبل البعيد وتواضعه الذي جعله يحظى بمحبة جمهور واسع داخل المغرب وخارجه.
والحقيقة التي غابت عن كثيرين أن الخلاف لم يكن أصلا بين محمد العسري ودنيا باطمة بل بين هذه الأخيرة وأعضاء فرقته الموسيقية خلال حفل عقيقة بأحد الأحياء الراقية بمدينة فاس. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن العسري غادر المنصة بمجرد صعود دنيا باطمة ولم يكن طرفا في النقاش الذي دار بين الفرقة ودنيا باطمة.
وبحسب ما جرى تداوله فإن أغلب أعضاء الفرقة رفضوا البقاء لمرافقة دنيا باطمة في الغناء لسبب بسيط وواضح وهو أنه لا يمكن لأي موسيقي محترف أن يشتغل ساعتين أو ثلاث ساعات دون اتفاق مالي مسبق. فالحقوق المادية ليست امتيازا بل حق مشروع خاصة عندما يتعلق الأمر بحفل خاص يدر مبالغ مالية مهمة على باقي الأطراف.
وهنا يطرح كثيرون سؤالا مشروعا كيف يعقل أن تأتي دنيا باطمة لتحصل على الأجر المتفق عليه مسبقا مع صاحب العقيقة والذي يقال إنه بمبلغ كبير ثم تستفيد أيضا من اللغرامة التي يجود بها الحاضرون بسخاء بينما ينتظر من الفرقة الموسيقية أن تواصل العزف والغناء لساعات إضافية مجانا أو بدافع التواضع. فالاحتراف لا يقوم على المجاملات وإنما على احترام الحقوق والالتزامات. ويبدو أن حظ دنيا باطمة العاثر أنها وجدت أمامها فرقة محترفة تعرف ما لها وما عليها وترفض التفريط في حقوقها لأن احترام الفنان يبدأ أيضا باحترام الموسيقيين الذين يقفون خلفه فوق المنصة.
كما تداولت صفحات إعلامية أن دنيا باطمة خاطبت أفراد الفرقة بعبارة “مالكم ناعسين” قبل أن تجد أمامها موسيقيين يعرفون جيدا معنى الاحتراف ويؤمنون بأن الفرقة ليست ديكورا بل شريك أساسي في نجاح أي حفل ومن حقها أن تتمسك بحقوقها كاملة غير منقوصة.
المثير في هذه القضية أن الرأي العام في غالبيته لم ينجر وراء لغة التهجم بل انحاز إلى محمد العسري لأن الناس تفرق بين تاريخ صنعه العمل الجاد وبين ضجيج يصنعه الجدل. فالمحبة التي اكتسبها العسري لم تأت من تدوينة ولن تمحوها تدوينة.
وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي محكمة يصدر فيها الجميع الأحكام يبقى التاريخ هو القاضي الحقيقي. والتاريخ يقول إن محمد العسري فنان محترم حافظ على صورته طوال أكثر من ثلاثين سنة ولم يعرف عنه سوى حسن الخلق والتواضع والالتزام بفن راق بعيد عن الابتذال.
قد تصنع الكلمات ضجة لساعات وقد تتصدر التدوينات عناوين الأخبار ليوم أو يومين لكن الضجيج ينتهي بينما يبقى التاريخ شاهدا. وفي النهاية لا ينتصر من يرفع صوته أكثر بل من يترك وراءه سيرة نظيفة واحتراما لا تهزه عاصفة ومحبة صادقة لا تصنعها الخوارزميات ولا الترند
