بين “الترافع المتأخر” و”الغياب الطويل”.. هل تذكّر برلماني فاس المدينة فقط مع اقتراب الاستحقاقات؟

حرية بريس اشرف

أثار خروج أحد برلمانيي مدينة فاس، اليوم تحت قبة البرلمان، للترافع بشأن مشروع القطار فائق السرعة TGV، موجة من التساؤلات داخل الأوساط المحلية والمتتبعين للشأن السياسي بالعاصمة العلمية، ليس فقط حول مضمون هذا الترافع في حد ذاته، ولكن أيضًا حول توقيته السياسي وسياقه، في ظل ما يعتبره عدد من الفاعلين والمتابعين غيابًا طويلًا ومثيرًا للانتباه عن قضايا المدينة وانتظارات ساكنتها طيلة جزء مهم من الولاية الانتدابية.

فإذا كان من حيث المبدأ من حق أي نائب برلماني، بل من صميم مهامه الدستورية، أن يثير الملفات الكبرى ذات الارتباط بالتنمية المجالية والبنيات التحتية والاستثمار العمومي، فإن الإشكال الذي يطرحه الرأي العام المحلي بفاس اليوم لا يرتبط فقط بما إذا كان مشروع القطار فائق السرعة يستحق النقاش من عدمه، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا ووضوحًا: أين كان هذا الترافع طوال السنوات الماضية؟ وأين كان هذا الصوت السياسي حين كانت المدينة في حاجة إلى حضور مستمر، وتتبع جاد، ومواكبة فعلية لقضاياها الاجتماعية والاقتصادية والتنموية؟

العديد من المتابعين للشأن المحلي بفاس يرون أن المدينة لم تكن، خلال مراحل طويلة من هذه الولاية، تحظى بذلك الزخم التمثيلي الذي كانت تنتظره من بعض من أوكلت إليهم مهمة الترافع والدفاع عنها داخل المؤسسات المنتخبة، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية، أو التشغيل، أو اختلالات النقل الحضري، أو التأهيل الاقتصادي، أو جلب الاستثمارات، أو حتى تثمين الموقع التاريخي والثقافي والحضاري للمدينة. وهو ما يجعل الظهور البرلماني المتأخر في ملف من حجم TGV، بالنسبة لكثيرين، يبدو وكأنه محاولة لاستعادة الحضور السياسي والإعلامي أكثر من كونه امتدادًا طبيعيًا لمسار نضالي أو تمثيلي متواصل.

الانتقاد هنا لا يوجَّه إلى حق البرلماني في الترافع، بل إلى الانتقائية في الحضور والموسمية في التواصل. فالممارسة السياسية الجادة لا تُقاس فقط بعدد المداخلات التي تُلتقط لها الكاميرات، ولا بعدد الخرجات التي تُصاغ بلغة جذابة مع اقتراب المواعيد السياسية، بل تُقاس أساسًا بالاستمرارية، والالتصاق الحقيقي بانشغالات المواطنين، والقدرة على تحويل الوعود الانتخابية إلى فعل مؤسساتي ملموس.

ولعل من أكثر النقاط التي يثيرها عدد من المتتبعين والفاعلين، أن هذا البرلماني ظل، بحسب ما يروج داخل محيطه السياسي والنقابي، بعيدًا حتى عن الحاضنة التنظيمية والنقابية التي شكّلت في مرحلة سابقة أحد أبرز روافد دعمه السياسي والانتخابي. فالنقابة التي وُصفت لسنوات بأنها الدرع النقابي للحزب، والتي ساهمت بشكل أساسي في التعبئة الميدانية، وفي مدّ الجسور مع فئات واسعة من الناخبين، وفي خلق نوع من التوازن التنظيمي خلال الانتخابات السابقة، لم تحظَ، وفق هذا الطرح، بما يكفي من الحضور والتواصل والوفاء السياسي بعد انتهاء لحظة الاقتراع.

وهنا يبرز سؤال مشروع سياسيًا وأخلاقيًا: هل تُستحضر التنظيمات والوجوه الداعمة فقط خلال المواسم الانتخابية، ثم يُطوى دورها بعد الوصول إلى المؤسسات؟ وهل تحوّل بعض الفاعلين السياسيين إلى منطق يقوم على الاستفادة من الرصيد التنظيمي والاجتماعي عند الحاجة، ثم العودة لاحقًا إلى نفس الوجوه والأحياء والشرائح فقط عندما تقترب الاستحقاقات من جديد؟

ما يضاعف من حدة هذا الانطباع، هو أن التحركات الأخيرة لهذا البرلماني، بحسب ما يرصده متابعون للشأن المحلي، بدأت تأخذ طابعًا تواصليًا مكثفًا من خلال لقاءات وتحركات سياسية ميدانية، في وقت يقرأ فيه جزء من الرأي العام هذه الدينامية المتأخرة باعتبارها عودة انتخابية مبكرة أكثر من كونها صحوة تمثيلية مرتبطة بإحساس متأخر بالمسؤولية تجاه المدينة. فالمواطن الفاسي، الذي راكم بدوره تجربة طويلة مع الوعود والشعارات والخطابات الموسمية، بات أكثر قدرة على التمييز بين من يمارس السياسة بمنطق الخدمة العمومية والالتزام الدائم، وبين من يعود إلى الواجهة فقط عندما تبدأ حسابات المرحلة المقبلة في التشكل.

إن الحديث اليوم عن مشروع استراتيجي مثل ربط فاس بالقطار فائق السرعة لا يمكن أن يُختزل في مجرد مداخلة برلمانية أو خرجة ظرفية، بل يقتضي ترافعًا مؤسساتيًا مستمرًا، ومواكبة تقنية وسياسية، واشتغالًا جادًا داخل اللجان، وتنسيقًا مع مختلف الفاعلين الترابيين، ومرافعة ممتدة في الزمن، لأن المشاريع الكبرى لا تُنتزع بمنطق الظهور المناسباتي، بل تُبنى عبر تراكم نضالي وتفاوضي حقيقي.

والأهم من ذلك، أن ساكنة فاس لم تعد تبحث فقط عن من “يتحدث” باسمها عند الضرورة، بل عن من يحمل ملفاتها يوميًا، ويدافع عن أولوياتها بانتظام، ويتقاسم معها لحظات الصمت كما لحظات الظهور. فالتمثيل النيابي ليس بطاقة عبور نحو الوجاهة السياسية، ولا مناسبة موسمية لإعادة ترميم الصورة، بل هو تكليف دستوري وأخلاقي يفرض على من يتحمله أن يكون حاضرًا حين تحتاجه المدينة، لا حين يحتاج هو المدينة.

فاس اليوم، بما تواجهه من رهانات تنموية حقيقية، وبما تختزنه من مؤهلات تاريخية وبشرية واقتصادية، تحتاج إلى ترافع مؤسساتي قوي، صادق، ومتواصل، لا إلى مواقف ظرفية أو حسابات انتخابية ضيقة. تحتاج إلى برلمانيين يشتغلون بمنطق الوفاء للانتداب، لا بمنطق العودة الموسمية إلى الواجهة. تحتاج إلى من يضع المدينة فوق الحسابات الشخصية والحزبية، ويؤمن بأن خدمة الشأن العام ليست حملة مفتوحة فقط عند اقتراب الانتخابات، بل مسؤولية يومية تتطلب الحضور، والمتابعة، والوضوح، والمحاسبة السياسية أمام الرأي العام.

وفي هذا السياق، فإن السؤال الذي يطرحه اليوم كثير من أبناء فاس ليس فقط: هل نحن مع مشروع TGV؟ لأن الجواب الطبيعي هو أن كل مشروع تنموي جاد يخدم المدينة يستحق الدعم والترافع. لكن السؤال الأهم هو: من يملك المصداقية السياسية والأخلاقية للترافع باسم فاس؟ ومن كان حاضرًا عندما كانت المدينة تحتاج فعلًا إلى من يرفع صوتها في الملفات الحقيقية واليومية، لا فقط في العناوين الكبرى ذات الوقع الإعلامي؟

لقد تعبت ساكنة فاس من الوجوه التي تتذكر الشارع عند اقتراب الاستحقاقات، ومن الخطابات التي تستيقظ فجأة مع أولى مؤشرات الحراك الانتخابي، ومن الممارسات التي تجعل المواطن مجرد خزان انتخابي موسمي يتم استدعاؤه عند الحاجة ثم تركه لمواجهة انتظاراته وإكراهاته وحاجياته اليومية وحده. وما تحتاجه المدينة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو نخب سياسية مسؤولة، حاضرة، متواضعة، وقريبة من الناس، لا نخب تتقن فن العودة المتأخرة وتقديم نفسها من جديد في صورة “المدافع الأول” عن مصالح المدينة.

إن فاس لا تحتاج إلى موسم سياسي جديد بوجوه قديمة وخطابات منقحة، بل تحتاج إلى مصداقية. والمصداقية، في العمل البرلماني والسياسي، لا تُصنع بخطاب واحد تحت القبة، ولا بلقاءات تواصلية متأخرة، بل تُبنى عبر سنوات من الحضور الفعلي، والترافع الجاد، والوفاء للناخبين، واحترام الذكاء الجماعي للساكنة.

وفي النهاية، فإن الساكنة الفاسية، التي تتابع وتقيّم وتُقارن، لم تعد في حاجة إلى من يكتشف مشاكلها أو أحلامها مع اقتراب المواعيد السياسية، بل إلى برلماني حقيقي يدافع عن المدينة طيلة الولاية، لا فقط في نهاية الطريق.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...