جهة فاس مكناس: من يتحكم فعلا في مستقبل التجمع الوطني للأحرار قبل انتخابات 2026؟
جهة فاس مكناس: من يتحكم فعلا في مستقبل التجمع الوطني للأحرار قبل انتخابات 2026؟
حرية بريس
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والجماعية المرتقبة في أفق 2026، تبرز جهة فاس مكناس كواحدة من أهم ساحات التنافس السياسي داخل حزب التجمع الوطني للأحرار. غير أن قراءة المشهد الحزبي في هذه الجهة لا يمكن أن تقتصر على البنية التنظيمية الرسمية أو الخطاب السياسي المعلن، بل تتطلب فهما أعمق لشبكات النفوذ التي ترسم فعليا خريطة القرار داخل الحزب.
ففي الواقع، لا تتحرك الأحزاب في هذا المجال الجغرافي وفق منطق إيديولوجي بقدر ما تتحرك وفق توازنات محلية دقيقة، حيث تتقاطع المصالح الانتخابية مع النفوذ الاقتصادي والاجتماعي.
القيادة التنظيمية: سلطة القرار… وحدودها
تمثل القيادة التنظيمية داخل الحزب نقطة الارتكاز الرسمية للقرار السياسي، ويبرز ضمنها اسم القيادي الحزبي محمد شوكي إلى جانب المنسقين الجهويين لبعض المنظمات والإقليميين.
هذه القيادة تتحكم في مفاصل أساسية مثل الهيكلة التنظيمية للحزب، وإدارة اللقاءات الجهوية، والأهم من ذلك توزيع التزكيات الانتخابية. غير أن التجربة السياسية في المغرب أظهرت مرارا أن السلطة التنظيمية وحدها لا تكفي لحسم المعارك الانتخابية، خاصة في الجهات ذات البنية القروية الواسعة مثل فاس مكناس.
فالقرار التنظيمي، مهما كان قويا، يحتاج دائما إلى قاعدة انتخابية صلبة قادرة على تحويله إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
الأعيان: القوة التي لا تظهر في البلاغات
هنا تبرز الدائرة الثانية الأكثر تأثيرا في المعادلة السياسية، دائرة الأعيان الاقتصاديين والفلاحيين. فهذه الفئة لا تتحكم فقط في الموارد الاقتصادية، بل تمتلك أيضا شبكات اجتماعية واسعة تمتد داخل القرى والمراكز الحضرية الصغرى.
من بين الأسماء التي برزت في هذا السياق، يبرز مصطفى الميسوري، الذي يشغل منصب رئيس غرفة الفلاحة لجهة فاس مكناس بعد فوزه بأغلبية شبه إجماعية بلغت 86 صوتا من أصل 87.
هذا النوع من النتائج لا يعكس فقط تفوقا انتخابيا داخل مؤسسة مهنية، بل يعكس أيضا حجم شبكة العلاقات التي يمتلكها صاحبها داخل القطاع الفلاحي، وهو قطاع يمثل أحد أهم الخزانات الانتخابية في الجهة.
فالعالم القروي في فاس مكناس لا يزال يلعب دورا حاسما في تحديد النتائج الانتخابية، ما يجعل الشخصيات المرتبطة بالقطاع الفلاحي والاقتصادي تمتلك تأثيرا يتجاوز أحيانا تأثير الهياكل الحزبية نفسها.
المنتخبون: الآلة الانتخابية الحقيقية
الدائرة الثالثة داخل الحزب تتكون من المنتخبين المحليين، رؤساء الجماعات، ورؤساء المجالس الإقليمية، والبرلمانيين، والمستشارين الجماعيين.
هؤلاء يشكلون العمود الفقري للحملات الانتخابية، فهم الذين يملكون القدرة الفعلية على تعبئة الناخبين يوم الاقتراع.
لكن هذه الفئة تتميز بقدر كبير من البراغماتية السياسية. فهي غالبا ما تتحرك وفق موازين القوة داخل الحزب. فإذا ساد التوافق بين القيادة التنظيمية والأعيان، فإن المنتخبين يميلون إلى الانضباط التنظيمي. أما إذا ظهرت صراعات داخلية حول التزكيات أو المواقع الانتخابية، فإنهم يتحولون بسرعة إلى مراكز ضغط قد تعيد رسم موازين القوى داخل الحزب.
النخب الجديدة: قوة رمزية أكثر منها انتخابية
في السنوات الأخيرة، حاول الحزب فتح أبوابه أمام الكفاءات الأكاديمية والمهنية، خاصة في مدينتي فاس ومكناس، حيث انضم عدد من الأساتذة الباحثين والمهندسين والمهنيين الشباب إلى الحزب.
هذه النخب تمثل رافعة مهمة لصورة الحزب وخطابه السياسي، لكنها لا تزال محدودة التأثير في المعادلة الانتخابية، التي تبقى خاضعة بدرجة كبيرة لمنطق الشبكات المحلية والنفوذ الاجتماعي.
المنظمات الموازية: بين الضعف والصعود القطاعي
إلى جانب هذه الدوائر التقليدية، يبرز عامل تنظيمي آخر يتعلق بأداء المنظمات الموازية للحزب داخل الجهة.
فالملاحَظ أن المنظمة الجهوية للمرأة والمنظمة الجهوية للشباب داخل حزب التجمع الوطني للأحرار لم تتمكنا بعد من بناء حضور تنظيمي قوي أو تأثير واضح في الحياة السياسية الجهوية.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها ضعف التأطير التنظيمي، ومحدودية الامتداد الميداني، فضلا عن هيمنة الفاعلين التقليديين على المشهد الحزبي.
في المقابل، برزت خلال الفترة الأخيرة دينامية مختلفة داخل بعض التنظيمات المهنية المرتبطة بالحزب، خاصة منظمة الصحة ومنظمة المهندسين، اللتين بدأتا تفرضان حضورهما بشكل متزايد داخل النقاش العمومي والأنشطة التنظيمية للحزب.
هذا البروز يعكس توجها جديدا داخل الحزب يقوم على تقوية الحضور القطاعي والمهني، واستقطاب كفاءات قادرة على تعزيز الخطاب التقني والتنموي للحزب، وهو ما قد يمنح هذه التنظيمات دورا أكبر في المرحلة المقبلة، خصوصا في صياغة البرامج والسياسات القطاعية.
الصراع الحقيقي: من يقود اللوائح؟
الخصوصية السياسية لجهة فاس مكناس تكمن في أن الصراع داخل الأحزاب نادرا ما يكون إيديولوجيا. فالمعركة الحقيقية تدور حول أسئلة أكثر واقعية: من يقود اللوائح الانتخابية؟ من يتحكم في التزكيات؟ ومن يدير الحملة الانتخابية؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد في النهاية موازين القوى داخل الحزب.
ثلاثة سيناريوهات محتملة قبل 2026
إذا استمرت التوازنات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولا: سيناريو التوافق
وهو السيناريو الأكثر فائدة للحزب، حيث ينجح في خلق توازن بين القيادة التنظيمية والأعيان والمنتخبين المحليين. في هذه الحالة يمكن للحزب تحقيق نتائج انتخابية قوية في الجهة.
ثانيا: سيناريو التنافس المحدود
في هذا السيناريو تظهر منافسة داخلية حول التزكيات، لكنها تبقى تحت السيطرة. النتيجة المحتملة هي فوز الحزب مع تراجع نسبي في عدد المقاعد.
ثالثا: سيناريو الانقسام
وهو السيناريو الأخطر، حيث يؤدي الصراع بين شبكات النفوذ إلى انقسام القاعدة الانتخابية، ما قد يفتح المجال أمام صعود قوى سياسية منافسة.
الخلاصة: من يملك الشبكة يملك المعركة
في النهاية، تكشف تجربة جهة فاس مكناس أن الفاعل الحاسم في الانتخابات ليس دائما من يملك القرار التنظيمي، بل من يملك الشبكة الانتخابية الأكثر تأثيرا.
ولهذا فإن شخصيات تمتلك حضورا اقتصاديا واجتماعيا واسعا، مثل مصطفى الميسوري، يمكن أن تلعب دورا يتجاوز مواقعها المؤسساتية، سواء كعامل توازن داخل الحزب أو كعنصر ترجيح في المعادلة الانتخابية.
وفي السياسة المحلية، كما تثبت التجربة مرة بعد أخرى، من يملك الشبكة… يملك المعركة.
