الاتحاد العام للشغالين بفاس.. مرجعية نقابية بصمت على مبادرات إنسانية فريدة في المغرب

حرية بريس

منذ تأسيس الاتحاد العام للشغالين بالمغرب سنة 1960 على يد الزعيم علال الفاسي، ارتبط هذا الإطار النقابي العريق بمسار الحركة الوطنية، وبفلسفة حزب الاستقلال التي جمعت بين النضال السياسي والاجتماعي، باعتبار أن استقلال الوطن لا يكتمل إلا بتحقيق كرامة المواطن العامل وصون حقوقه الأساسية. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، ظل الاتحاد العام مدرسة نقابية قائمة على قيم التضامن والالتزام والوفاء لقضايا الشغيلة، ليتحول مع مرور العقود إلى أحد الأعمدة الأساسية في المشهد النقابي المغربي.

وفي قلب هذا الامتداد الوطني، يبرز فرع فاس – مكناس كأحد أقوى الفروع وأكثرها تأثيراً، حيث تمكن الاتحاد العام للشغالين بفاس من ترسيخ موقعه كأكبر نقابة بالجهة، سواء من حيث حجم المنخرطين أو من حيث التمثيلية داخل القطاعات الحيوية، أو من حيث القدرة على التأثير المباشر في القرارات العمومية المرتبطة بالشأن الاجتماعي. لقد تحول الاتحاد بفاس إلى قوة نقابية لا يمكن تجاوزها، وصوتاً مرجعياً للشغيلة في زمن يزداد فيه المشهد الاجتماعي تعقيداً بفعل التحولات الاقتصادية الكبرى.

ويقف وراء هذا الحضور البارز شخصية نقابية وسياسية جمعت بين الحزم والالتزام والقدرة على التأثير، وهو إدريس ابلهاض، الكاتب الإقليمي للاتحاد العام للشغالين بفاس، ورئيس لجنة الفلاحة بجهة فاس – مكناس عن حزب الاستقلال. يجمع ابلهاض بين التجربة الميدانية في الدفاع عن حقوق العمال والموظفين، وبين الخبرة المؤسساتية التي تمكنه من ترجمة هذه المطالب إلى سياسات وبرامج داخل المجالس المنتخبة، ما يجعل منه رقماً صعباً في المعادلة النقابية والسياسية بالجهة. ويجمع المتتبعون على أن الرجل لا يتعامل مع العمل النقابي كمنصة لتصفية الحسابات أو للظهور الإعلامي، بل يعتبره مسؤولية تاريخية تجاه الشغيلة التي وضعت فيه ثقتها، وهو ما يظهر بجلاء في صلابته داخل الملفات الكبرى، وإصراره على أن يكون البعد الاجتماعي دائماً في صلب كل مشروع أو برنامج.

ولعل أبرز مثال على ذلك ما حدث في ملف شركات النظافة بمدينة فاس، حين جرى إعداد دفتر التحملات الجديد. فقد كان إدريس ابلهاض الصوت الأقوى في المطالبة بإدراج الشق الاجتماعي ضمن هذا الدفتر، بما يضمن حقوق العمال ويحسن من ظروفهم. وقد قاوم كل محاولات تهميش هذا الجانب، وظل متشبثاً به إلى أن أصبح التزاماً رسمياً. ولم يكن ذلك مجرد انتصار نقابي داخلي، بل اعترافاً مؤسساتياً موثقاً، إذ صرح عمدة فاس عبد السلام البقالي في لقاء رسمي قائلاً: “لولا النقابي المتمكن ابلهاض، لما كان ليكون الشق الاجتماعي”. هذه الشهادة تكشف بوضوح أن الاتحاد العام للشغالين بفاس لا يكتفي بالشعارات، بل يفرض وجوده في عمق القرار العمومي، ويجعل من قضايا الشغيلة جزءاً لا يتجزأ من السياسة المحلية.

لكن ما يميز الاتحاد العام للشغالين بفاس لا يقتصر على الملفات المؤسساتية، بل يتعداها إلى مبادرات إنسانية تعكس وجهاً آخر للعمل النقابي، وجهاً يزاوج بين المطالب المادية والروحية. ففي تقليد سنوي متفرد، تخصص النقابة عدداً من التذاكر المجانية لفائدة منخرطيها لأداء مناسك العمرة، في مبادرة لم تعرفها الساحة النقابية المغربية من قبل بهذا الشكل المنظم والمستمر. هذه الخطوة لم تأت من فراغ، بل تعكس وعياً عميقاً بأن الإنسان العامل لا يحتاج فقط إلى تحسين أجره وظروف عمله، بل يحتاج أيضاً إلى تعزيز قيم التكافل والدعم الروحي، وإلى إشراكه في تجارب حياتية تسمو بالجانب الإنساني وتعمق ارتباطه بنقابته. لقد جعلت هذه المبادرة من الاتحاد العام بفاس ليس فقط نقابة تدافع عن الحقوق، بل أسرة كبيرة توفر لأبنائها فرص التضامن والوفاء.

وإلى جانب ذلك، تتجسد قوة الاتحاد العام للشغالين بفاس في انتشاره الواسع عبر مختلف القطاعات. فسواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو النقل أو الخدمات أو القطاع الفلاحي والصناعي، فإن النقابة حاضرة بتمثيلية قوية، قادرة على نقل صوت المنخرطين والتفاوض باسمهم. هذه القوة التنظيمية لم تكن وليدة اللحظة، بل ثمرة سنوات طويلة من العمل الميداني الجاد، ومن الثقة التي منحها العمال والموظفون لنقابتهم بعد أن وجدوا فيها صدق الالتزام ووضوح الرؤية.

إن النقابة اليوم، بقيادة إدريس ابلهاض، تحاول أن تعطي للعمل النقابي معنى جديداً، معنى يتجاوز الصراعات الضيقة، ويربط النضال الاجتماعي بمفهوم التنمية الشاملة. فالنقابة هنا ليست مجرد أداة للضغط، بل شريك في التفكير وصناعة القرار. من خلال وجود ابلهاض داخل مجلس جهة فاس – مكناس، على رأس لجنة الفلاحة، يتأكد هذا البعد، حيث يتم ربط مصالح الشغيلة بالبرامج التنموية الكبرى، ليصبح العامل والمستخدم جزءاً من مشروع التنمية وليس مجرد متلقي لنتائجها.

ويجمع المتتبعون للشأن النقابي على أن تجربة الاتحاد العام للشغالين بفاس تمثل نموذجاً لما يجب أن تكون عليه النقابات في المغرب المعاصر: نقابات قريبة من قواعدها، قادرة على فرض نفسها داخل المؤسسات، منفتحة على قضايا التنمية، ومؤمنة بأن العمل النقابي ليس مجرد مواجهة، بل هو أيضاً اقتراح وبناء. إن هذا النموذج، الذي يتجسد يومياً في المواقف والمبادرات، يعيد الثقة في العمل النقابي، ويثبت أن النقابات قادرة على لعب أدوار أساسية في حماية الاستقرار الاجتماعي وفي الدفع بعجلة التنمية.

وبينما تتعرض العديد من النقابات الأخرى لانتقادات حول غياب المصداقية أو ضعف التواصل مع المنخرطين، يظل الاتحاد العام للشغالين بفاس استثناءً إيجابياً، لأنه استطاع أن يحافظ على صلته القوية بالعمال والموظفين، وأن يبرهن أن القرب والمصداقية والجدية هي مفاتيح النجاح. وهذا النجاح لا ينفصل عن شخصية إدريس ابلهاض، الذي أصبح رمزاً لهذا النهج، ورمزاً لنقابة جمعت بين الأصالة والتجديد، وبين الوفاء للتاريخ والانفتاح على المستقبل.

إن الاتحاد العام للشغالين بفاس اليوم لا يمثل فقط إطاراً نقابياً تقليدياً، بل مؤسسة اجتماعية مؤثرة، وفضاءً جامعاً للقيم الوطنية والإنسانية، ومنصة حقيقية لربط الشغيلة بمشروع التنمية. وبقدر ما يعكس هذا الامتداد قوة النقابة محلياً وجهوياً، فإنه يعيد الاعتبار لمسيرة وطنية طويلة بدأت مع علال الفاسي واستمرت مع أجيال من المناضلين، لتجد اليوم في إدريس ابلهاض تجسيداً جديداً لروح النقابة، روح النضال من أجل الكرامة والعدالة والإنصاف.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...