قضية مالية كبيرة تشعل الجدل في حزب الاحرار بجهة فاس مكناس ومطالب بتدخل قيادات الحزب لإعادة الأمور إلى نصابها
حرية بريس
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود الجدل إلى الصدارة حول معايير تزكية المرشحين من طرف الأحزاب الكبرى، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة رئيس الحكومة عزيز أخنوش الذي شكل قيمة مضافة في العمل السياسي وقد أثار الرأي العام في جهة فاس–مكناس قضية هزت المشهد السياسي المحلي مؤخرا تتعلق بمنسق إقليمي تابع للحزب، اتهمه مقاول شاب بالنصب والاحتيال على مبلغ مالي قدره 40 مليون سنتيم، وهي واقعة غير مسبوقة في حجمها المالي والمكانة السياسية للشخص المعني. هذه القضية لم تقتصر على بعدها المالي، بل فتحت الباب أمام نقاش واسع حول أخلاقيات المسؤولين السياسيين ومعايير منح الثقة والتزكيات داخل الأحزاب، خصوصًا أن الأمر يتعلق بمرشح يحتل موقعًا مؤثرًا في تنظيم حزبي كبير.
الحادثة التي تفجرت في فاس–مكناس لم تكن مجرد خبر عابر، بل شكلت انعكاسًا لما يراه الشارع المغربي من فجوة بين الشعارات السياسية والممارسات الواقعية لبعض المسؤولين. فالشباب المغربي، الذي يشكل نسبة كبيرة من الناخبين والمهتمين بالشأن العام، بات يتساءل: هل بهذه السلوكيات سنتمكن من تشجيع الجيل الجديد على الانخراط في العمل السياسي؟ وهل يمكن لأي حزب أن يطالب بالثقة، بينما يُثار حول قياداته شبهات نصب واحتيال على مواطنين عاديين يسعون لممارسة أعمالهم بصدق وأمان؟
إن الرهان على تجديد النخب لم يعد رفاهية سياسية، بل ضرورة وطنية تحتم على الأحزاب النظر بعين الواقعية والجدية في اختيار المرشحين. وتزكية شخصية متورطة في قضية نصب مالية بمبلغ يناهز 40 مليون سنتيم، مهما كانت الظروف القانونية، تحمل رمزية قوية في خطاب الشارع، وتعكس رؤية المغاربة حول مدى التزام الأحزاب بمبادئ الكفاءة والنزاهة. وقد تحول هذا الملف إلى اختبار حقيقي لمصداقية حزب الأحرار بقيادة عزيز أخنوش، الذي طالما رفع شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة والخدمة الميدانية للمواطنين بالإضافة إلى المنسق الجهوي السيد شوكي محمد رجل معروف بعفته ومحاربة كل الشوائب الذي قد تسيء إلى الحزب.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي يركز في خطاباته على ضرورة تجديد النخب وربط المسؤولية بالمحاسبة، مؤكداً أن النزاهة والكفاءة هما الشرطان الأساسيان لكل من يسعى لتحمل المسؤولية العمومية. وقد شدد الملك على أن تقديم القدوة للشباب هو السبيل لإشراكهم في العمل السياسي، وأن كل ممارسة تسيء إلى الثقة العامة تضر بمستقبل الدولة ومصداقية المؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن القضية المتعلقة بالمنسق الإقليمي بجهة فاس–مكناس تصبح اختبارًا مباشرًا للتوجيهات الملكية، ولقدرة الحزب على الموازنة بين المصالح الانتخابية وبين المصلحة العامة وإعادة بناء الثقة مع المواطنين.
الواقع أن هذه الحادثة أعادت إلى الأذهان النقاش الدائم حول جدوى دخول الشباب إلى السياسة في ظل وجود ممارسات من هذا النوع. فالجيل الجديد، الذي يطمح إلى المشاركة في صناعة القرار، يجد نفسه أمام نموذج سلبي يربط السياسة بالمكاسب الشخصية وبالاحتيال المالي، بدل أن يكون حقلًا للعمل النظيف والمسؤولية المجتمعية. لذلك، فإن أي تزكية لشخصيات ارتبطت بهذه القضايا لن تشجع الشباب، بل على العكس ستزيد من شعورهم بالإحباط والانفصال عن العمل السياسي، وستضعف احتمالية انخراطهم في الحياة العامة مستقبلاً.
يبقى السؤال المركزي مطروحًا على حزب التجمع الوطني للأحرار: هل سيختار التجديد ويضع معايير صارمة لمنح التزكيات، بعيدًا عن أي شبهات، أم أنه سيستمر في اعتماد أسماء أثارت الجدل، رغم ما قد يترتب على ذلك من خسارة مصداقية أمام الرأي العام؟ الجواب سيحدد مستقبل العلاقة بين الحزب وبين الشباب، ويعكس مدى قدرة القيادة على التكيف مع متطلبات اللحظة السياسية، وحماية سمعة الحزب من الانزلاق نحو الممارسات التي تضر بثقة المواطنين.
إن المواطن المغربي أصبح اليوم أكثر وعيًا وحساسية تجاه كل ما يتعلق بالثقة في المسؤولين السياسيين، وأي خطوة غير محسوبة، خصوصًا تزكية شخصية متورطة في قضية نصب بمبلغ 40 مليون سنتيم، قد تتحول إلى أزمة سياسية حقيقية تعيد طرح نقاش النزاهة والمساءلة في صلب العمل الحزبي. وفي ظل التوجيهات الملكية، فإن هذا الاختبار ليس فقط للحزب، بل لجميع القوى السياسية، التي أصبح عليها أن تدرك أن نجاحها يعتمد على قدرتها على إعادة بناء الثقة، وتشجيع الشباب على الانخراط في السياسة من خلال توفير نموذج نزيه ومسؤول يحقق التطلعات المشروعة للمواطنين.
