نهج اليد الممدودة للجزائر وتواضع الرؤية.. قراءة في البعد الوطني والإقليمي لخطاب العرش 2025
حرية بريس ✍️عبدالله حفري
وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم أمس الثلاثاء 29 يوليو 2025، خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد، هذا الخطاب الذي يمثل لحظة سنوية لتجديد البيعة بين الملك والشعب، حمل في طياته رسائل قوية، كما حمل رؤية متكاملة تجمع بين الطموح الوطني والانفتاح الإقليمي، مع لمسة من التواضع الاستراتيجي في وصف المغرب بـ”الصاعد” .
جلالة الملك في خطابه بهذه المناسبة، ركز على النهضة الصناعية، والاستعداد للانتخابات، والالتزام بالتنمية البشرية، مع تواضع واضح في وصف المغرب بـ”الصاعد” إقليميا، ويسعى إلى بناء مغرب متميزرغم التحديات، مشيرا في ذات الخطاب إلى حرص المغرب على بناء جسور مع الجزائر وترسيخ الاتحاد المغاربي، وهي رسائل تعزز مكانة المغرب كدولة تسير بثقة نحو التقدم، مع الحفاظ على قيم التواضع، والتضامن، والمسؤولية.
الجالس على العرش، أوضح أن نهجه في بناء “مغرب متقدم، موحد ومتضامن”، ارتكز على التنمية الاقتصادية والبشرية الشاملة، وهذه النهج تجسد في إبراز الإنجازات الصناعية غير المسبوقة، حيث تضاعفت الصادرات الصناعية منذ عام 2014، خاصة في قطاعات السيارات والطيران، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية.
وكشف الملك أن هذه النهضة الصناعية، التي وصفها كجزء من “اقتصاد تنافسي ومتنوع”، عززت مكانة المغرب كوجهة استثمارية عالمية تربطها اتفاقيات تبادل حر مع عدة دول.
وفي سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة في 2026، أشار العاهل المغربي إلى ضرورة إعداد المنظومة القانونية للانتخابات قبل نهاية 2025، موجها تعليماته لوزير الداخلية لفتح مشاورات سياسية تضمن انتخابات نزيهة وشفافة، هذا التأكيد يعكس التزاما بترسيخ المسار الديمقراطي، مع الحرص على استقرار المؤسسات كأساس للتنمية.
كما شدد جلالته على أهمية التنمية البشرية وتجاوز الفوارق المجالية، مشيرا إلى تراجع الفقر متعدد الأبعاد من 11.9% في 2014 إلى 6.8% في 2024، حيث تجاوز المغرب عتبة “التنمية البشرية العالية”؛ لكنه أقر بوجود تحديات، خاصة في العالم القروي، داعيا الحكومة العمل على مقاربة جديدة للتنمية المجالية المندمجة، ترتكز على دعم التشغيل، تحسين الخدمات الاجتماعية، وتدبير مستدام للموارد المائية.
وتوضعا منه وصف جلالة الملك المغرب بـ”الصاعد”؛ بدلا من “المغرب قوة .. قوة ..”، وهو ما يبرز رؤية متوازنة تجمع بين الفخر بالإنجازات والوعي بالتحديات، ويعكس كذلك وعيا عميقا بالتحديات المتبقية، مثل الإجهاد المائي والفوارق الاجتماعية، مع الإقرار بالإنجازات الكبيرة في البنيات التحتية والاقتصاد، هذا التوازن يبرز نهجا واقعيا يجمع بين الطموح والمسؤولية، وهو وصف يعتبر رسالة قوية تعزز صورة المغرب كدولة تسير بخطى واثقة نحو التقدم، مع الحفاظ على قيم التواضع والمسؤولية.
وعلى الصعيد الإقليمي، أكد جلالة الملك على نهج “اليد الممدودة” تجاه الجزائر، معبرا عن إيمانه العميق بوحدة الشعوب المغاربية واستعداده لحوار “صريح ومسؤول” لحل القضايا العالقة، وهو موقف يعكس دبلوماسية مغربية حكيمة، يسعى من خلالها إلى بناء جسور تعاون إقليمي دون التفريط في الثوابت الوطنية،
وتأتي دعوة الملك هذه؛ رغم محاولات بعض الأطراف عزل المغرب وموريتانيا في إطار التعاون داخل “الاتحاد المغاربي”، كما تعكس مرة أخرى تواضعا سياسيا وحكمة دبلوماسية، أما تشديد الجالس على العرش بأن “الاتحاد المغاربي لا يكون بدون انخراط المغرب والجزائر”، فهو تأكيد على التزام المغرب بتعزيز التضامن الإقليمي، مع رفض منطق الإقصاء.
وهذا النهج المتمثل في اليد الممدودة مرة أخرى، يُظهر روح الانفتاح والحوار لجلالة الملك، كما أن دعوة الملك إلى الجلوس للتعاون، توضح أن الهدف منها تعزيز التعاون مع دول الجوار المغاربي، داخل “الاتحاد المغاربي”، وتؤكد كذلك على أهمية بناء علاقات إقليمية تقوم على الثقة المتبادلة والتضامن، بعيدا عن منطق المواجهة أو التصعيد، وتبين التزام المغرب بدور بناء في استقرار المنطقة، مع الحفاظ على المبادئ الثابتة للوحدة الترابية وسيادة الدول، التي يتخذها المغرب كمبدأ أساسي في سياسته الخارجية.
إن نهج “اليد الممدودة” في خطاب جلالة الملك يعكس دبلوماسية مغربية حكيمة، تسعى إلى بناء جسور التعاون الإقليمي دون التفريط في الثوابت الوطنية.
وفي موضوع قضية الصحراء المغربية، أشاد جلالته بالدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، مشيرا إلى مواقف دول مثل المملكة المتحدة والبرتغال؛ لكنه جدد التأكيد على انفتاح المغرب على “حل توافقي” يحفظ ماء وجه الجميع، مما يعزز صورة المغرب كفاعل إقليمي يجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الحوار.
