فاس تحتضن مائدة فكرية حول استثمار الكفاءات المغربية والعربية بالخارج

فاس تحتضن مائدة فكرية حول استثمار الكفاءات المغربية والعربية بالخارج

حرية بريس اشرف محبوب

شهد قصر المؤتمرات بمدينة فاس، يوم أمس السبت 26 يوليوز 2025، تنظيم مائدة مستديرة رفيعة المستوى حول موضوع:

“استراتيجيات الاستفادة من العقول والكفاءات المغربية والعربية في الخارج”، وذلك بمبادرة من جمعية فاس-سايس، وبشراكة مع منظمة المجتمع المدني الدولية والمجلس المغربي للشؤون الخارجية.

وجمعت هذه التظاهرة الفكرية نخبة من الأساتذة والخبراء المتخصصين في مجالات متعددة تشمل القانون، الفكر، الطب، الثقافة، السياسات العمومية والابتكار، ضمن لقاء علمي مفتوح ناقش سبل تعبئة الكفاءات المهاجرة في خدمة التنمية الوطنية والعالم العربي.

طرحت المائدة المستديرة، من خلال مداخلات دقيقة وتحليلات معمّقة، مجموعة من الرهانات والإشكالات المرتبطة بكيفية استثمار الكفاءات المغربية والعربية المقيمة بالخارج، والانتقال من منطق “هجرة الأدمغة” إلى سياسات إدماج استراتيجية، قائمة على المشاركة والمعرفة ونقل التكنولوجيا.

وأكد المتدخلون على ضرورة تجاوز المقاربات التقليدية للهجرة، والاشتغال على أرضية مؤسساتية وتشريعية جديدة، تضمن إشراك الكفاءات في مشاريع وطنية ومبادرات علمية واستثمارية تواكب التحولات الدولية.

أظهرت النقاشات أن المغرب يتوفر على رأسمال بشري متميّز بالخارج، ينشط في قطاعات محورية كالصحة، الهندسة، البحث العلمي، الاقتصاد، والقانون، إلا أن الاستفادة من هذه الطاقات ما تزال محدودة، بسبب غياب رؤية مندمجة وسياسة عمومية قادرة على استيعابها وتوظيفها بشكل منتظم وفعّال.

وشددت المداخلات على أن إعادة ربط الكفاءات بالخارج بوطنها الأصلي، لا ينبغي أن تُختزل في الجانب الاقتصادي فقط، بل يجب أن تُبنى على أسس الانتماء، والهوية، والمواطنة العابرة للحدود، بما يعزز مفهوم المشاركة في التنمية ويعيد تشكيل العلاقة بين الوطن وأبنائه في الخارج.

عرف اللقاء مشاركة أسماء وازنة من الخبراء والباحثين، الذين أثْروا الجلسات العلمية بمداخلاتهم، نذكر منهم:

 *د. مصطفى الزباخ* : قدم رؤية استشرافية حول استراتيجيات تفعيل العقول المهاجرة

 *د. محمد بوزلافة* : ناقش أهمية المراجعة المؤسساتية والتشريعية في تعبئة الكفاءات

 *د. حميد بودار* : تطرق إلى قضايا الهوية والاغتراب الثقافي في صفوف المهاجرين

*د. محمد السنوسي* : قدم تصورًا وطنيًا لانتقال المغرب من تصدير الأدمغة إلى استثمارها

*د. الحسن عبايبة* : أبرز دور الثقافة الوطنية في ترسيخ المواطنة والانتماء

 *د. محمد أحمد الدبيان* : ناقش إمكانية استفادة العالم الإسلامي من كفاءاته المهاجرة

 *د. عبد النبي السباعي* : قدّم مقاربة متقدمة حول الهجرة الصحية المنتجة

وقد تميزت أشغال المائدة بروح التفاعل والانفتاح، حيث شهدت نقاشات مفتوحة بين المتدخلين والجمهور الحاضر، ما أضفى على اللقاء طابعًا ديناميًا يعكس الاهتمام الكبير بهذا الموضوع الحيوي.

لقد شكّل هذا اللقاء، بما ضمّه من طروحات وتحليلات رصينة، لحظة وعي جماعي بضرورة الانتقال من مرحلة التشخيص النظري لمعضلة “هجرة الأدمغة”، إلى بلورة حلول عملية تنبني على إرادة سياسية حقيقية ورؤية استراتيجية واضحة. إن الرهان لم يعد فقط في استرجاع العقول، بل في بناء نموذج تشاركي متجدد، يضمن انخراط الكفاءات في ديناميات التنمية الوطنية دون أن يُشترط عليها قطع صلاتها بمساراتها المهنية بالخارج.

ومن أبرز ما أفرزته هذه المائدة المستديرة هو التأكيد على أهمية الاعتراف المؤسسي بالكفاءات، ليس فقط من خلال الخطاب، بل عبر إدماجها في صلب السياسات العمومية، وإحداث آليات تنسيق وتواصل دائمة ومُمأسسة بين الدولة والمجتمع المدني من جهة، وبين الكفاءات المقيمة بالخارج من جهة أخرى.

إن ربط العقول المغربية والعربية بالخارج بوطنها الأصلي، يتطلب اليوم تجاوز الصيغ الاحتفالية والروابط الموسمية، نحو بناء علاقة ندية، قائمة على الثقة المتبادلة، وتبادل المعرفة، والمواطنة الفعالة العابرة للجغرافيا. فالرهان الحقيقي لم يعد فقط اقتصادياً أو تقنياً، بل هو رهان هوياتي وتنموي وثقافي في آنٍ واحد.

ولعل مدينة فاس، برمزيتها التاريخية والعلمية، قد احتضنت هذا الحدث ليس كفعالية معزولة، بل كإشارة قوية إلى الحاجة لإحياء تقاليد الحوار الفكري الرصين، وتثمين الرأسمال البشري بوصفه أحد أعمدة المشروع التنموي الجديد الذي يتطلع إليه المغرب والعالم العربي.

إن نجاح هذا اللقاء لا يُقاس فقط بما طُرح من أفكار، بل بما قد يُبنى عليه من خطوات، لتكون المائدة المستديرة بداية لتأسيس شبكات عمل، وجسور تفاعل دائم، وصيغ تعاون ملموسة، تُعيد الاعتبار للعقل العربي المهاجر، وتُفعّل حضوره كفاعل تنموي وثقافي محوري في مجتمعاته الأصلية.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...