تحليل النقطة 29 من البيان المشترك الجزائري الإيطالي حول قضية الصحراء المغربية
تحليل النقطة 29 من البيان المشترك الجزائري-الإيطالي حول قضية الصحراء المغربية
عبدالله حفري/ أخبار دولية/ سياسة
أثارت النقطة 29 من البيان المشترك الصادر عن القمة الحكومية الجزائرية-الإيطالية المنعقدة في روما بتاريخ 23 يوليو 2025 جدلا واسعا، خاصة فيما يتعلق بموقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية، حيث جاء في البيان: “فيما يتعلق بالصحراء الغربية، جدد الطرفان تأكيد دعمهما لجهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، من أجل إعادة إطلاق المفاوضات المباشرة والتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، بما يتماشى مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.”
وقد اعتبر بعض المحللين، مثل الصحفي الجزائري وليد كبير وهشام السنوسي، عضو الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري، أن هذا البيان يعكس تناقضا في الموقف الجزائري، خاصة في ضوء انسحاب المندوب الجزائري.

النقطة 29 تدعم جهود المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا لإعادة إطلاق المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية، بهدف التوصل إلى حل سياسي يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن. هذه الصياغة تتماشى مع الموقف الدولي العام الذي يدعو إلى حل سياسي “واقعي ودائم”، وهو ما يعكس لغة قرارات مجلس الأمن، بما في ذلك القرار 2756. ومع ذلك، فإن هذا البيان لا يذكر صراحة مصطلح “تقرير المصير”، الذي طالما دافع عنه الموقف الجزائري.
ووفقا للصحفي وليد كبير، فإن توقيع الجزائر على هذا البيان، يعني قبولها ضمنيا لقرارات مجلس الأمن، بما في ذلك القرار 2756، الذي يدعم الحل السياسي القائم على المفاوضات المباشرة ويُعتبر مؤيدا لخطة الحكم الذاتي المغربية. ويرى كبير أن هذا يتعارض مع انسحاب المندوب الجزائري عمار بن جامع من جلسة التصويت على هذا القرار، معتبرا ذلك دليلا على تناقض في الموقف الجزائري.
من جهة أخرى، يشير هشام السنوسي إلى أن الجزائر فشلت في فرض موقفها التقليدي الداعم لـ”تقرير المصير” على إيطاليا، وأن البيان المشترك يعكس رضوخ النظام الجزائري للموقف الإيطالي الذي يتماشى مع قرارات مجلس الأمن.
وانسحاب عمار بن جامع المندوب الجزائري من جلسة التصويت، قد يكون مؤشرا على رفض الجزائر لقرارات مجلس الأمن التي لا تتضمن صراحة دعم “الاستفتاء” كوسيلة لتقرير المصير؛ ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة تناقضا مع البيان المشترك، حيث أن النقطة 29 لا تتعارض مباشرة مع الموقف الجزائري الداعم لجهود الأمم المتحدة بشكل عام، فقد تكون الجزائر ملتزمة بدعم المفاوضات تحت مظلة الأمم المتحدة دون الاعتراف الصريح بخطة الحكم الذاتي.
غياب “تقرير المصير” في البيان: على عكس تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال المؤتمر الصحفي مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والتي أكد فيها على “حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير”، لم يتضمن البيان المشترك هذا المصطلح، وهذا قد يعكس نجاح إيطاليا في الحفاظ على صياغة محايدة تتماشى مع الموقف الدولي دون الإشارة الصريحة إلى “الاستفتاء” أو “تقرير المصير”، مما يدعم وجهة نظر السنوسي بأن الجزائر لم تستطع فرض موقفها.
إيطاليا، التي تربطها علاقات اقتصادية قوية مع الجزائر، خاصة في مجال الغاز الطبيعي، لم تُشر في كلمة رئيسة الوزراء ميلوني إلى قضية الصحراء الغربية أو تقرير المصير، مما يعزز الانطباع بأن إيطاليا تتبنى موقفا محايدا أو تميل نحو دعم الحلول الواقعية مثل خطة الحكم الذاتي المغربية، التي تحظى بدعم دولي متزايد
وتشهد العلاقات الجزائرية-الإيطالية تقاربا كبيرا، خاصة في ظل الأزمة الطاقوية التي أعقبت الحرب الروسية-الأوكرانية، فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين 4.79 مليارات يورو في عام 2025، مع زيادة بنسبة 6.7% مقارنة بالعام السابق، حيث يشكل الغاز الطبيعي 79.5% من الواردات الإيطالية من الجزائر.
ويرى المراقبون أن الجزائر تحاول استغلال هذه العلاقات الاقتصادية لكسب مواقف سياسية داعمة لقضية الصحراء الغربية، لكن البيان المشترك يشير إلى أن إيطاليا تفضل البقاء ضمن الإطار الدولي الذي يدعم قرارات الأمم المتحدة دون الانحياز الصريح للموقف الجزائري.
من جانبه، يروج المغرب لخطة الحكم الذاتي كحل سياسي “واقعي وجاد” منذ عام 2007، وقد حظيت هذه الخطة بدعم دولي متزايد، بما في ذلك دول أوروبية مثل فرنسا بريطانيا إسبانيا البرتغال بلجيكا ….، والنقطة 29 تتماشى مع هذا التوجه، حيث تدعم المفاوضات المباشرة والحلول العملية، مما يعزز موقف المغرب الذي يرى أن الاستفتاء ليس الخيار الوحيد لتقرير المصير، بل يمكن أن يتحقق من خلال الحكم الذاتي الموسع
