التصعيد الدبلوماسي بين فرنسا والجزائر: من الاعتراف بالصحراء المغربية إلى اعتقال مواطنين وغياب الرئيس تبون
التصعيد الدبلوماسي بين فرنسا والجزائر: من الاعتراف بالصحراء المغربية إلى اعتقال مواطنين وغياب الرئيس تبون
حرية بريس/ عبدالله حفري
في سياق يشهد توترات متزايدة بين باريس و الجزائر، يبرز التصعيد الأخير كدليل على عمق الأزمة التي بدأت مع اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء المغربية في يوليوز 2024، هذا الاعتراف، الذي اعتبرته الجزائر “خيانة تاريخية”، أدى إلى سلسلة من الإجراءات المتبادلة، بما في ذلك طرد دبلوماسيين، رفض اعتماد أعوان قنصليين، واتهامات بالابتزاز.
ومع ذلك، يأتي التصعيد الفرنسي الأحدث مرتبطا بقضية اعتقال مواطنين فرنسيين في الجزائر، وهو ما يتزامن مع شكوك حول غياب الرئيس عبد المجيد تبون عن المشهد العام، مما يثير تساؤلات حول استقرار النظام الجزائري.
وقد بدأت الأزمة الحالية تتفاقم عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 30 يوليوز 2024، دعم بلاده لخطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء المغربية، معتبرا إياها تحت السيادة المغربية.
هذا الموقف، الذي وصفته الجزائر بأنه “انحياز إمبريالي”، أثار غضبا شديدا في الجزائر، التي ترى في الصحراء المغربية قضية تصفية استعمار، وتدعم جبهة البوليساريو كحركة تحرر وطني، وتؤكد الجزائر دائما أنها ليست طرفا في النزاع؛ بل مجرد دولة مجاورة ملتزمة بقرارات الأمم المتحدة الداعية إلى استفتاء لتقرير المصير، وأن أي اعتراف بسيادة المغرب يمثل انتهاكا للقانون الدولي.
وردت الجزائر فورا بسحب سفيرها من باريس، وإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية، بالإضافة إلى إجراءات اقتصادية مثل تقليص التبادل التجاري، ومع ذلك، استمرت التوترات في التصاعد خلال 2025، حيث أدت إلى أزمة دبلوماسية كاملة، بما في ذلك رفض الجزائر اعتماد 46 دبلوماسيا وقنصليا فرنسيا، كرد متبادل على رفض فرنسا اعتماد جزائريين منذ أكثر من عامين.
الخارجية الجزائرية اتهمت فرنسا بـ”الابتزاز” من خلال ربط قضايا التأشيرات بالخلافات السياسية، مما يستهدف حاملي الجوازات العادية ويعقد حياة الجالية الجزائرية في فرنسا.
وفي غشت الجاري، أبدت فرنسا تصعيدا جديدا، مطالبة بإطلاق سراح مواطنيها المعتقلين في الجزائر، وهما الكاتب بوعلام صنصال والصحفي كريستوف غليز، صنصال، الكاتب الفرنسي-الجزائري الشهير، حكم عليه في مارس 2025 بخمس سنوات سجنا بتهمة “تقويض الوحدة الوطنية”، بعد تصريحات له حول الحدود مع المغرب اعتبرتها السلطات الجزائرية تهديداً للسيادة الوطنية، ومحكمة الاستئناف أيدت الحكم في يوليوز 2025، مما أثار غضبا دوليا واعتبرته فرنسا انتهاكا لحرية التعبير.
أما غليز، الصحفي الرياضي الفرنسي المتخصص في كرة القدم الأفريقية، فقد اعتقل في مايو 2024 في تيزي وزو، وحكم عليه في يونيو 2025 بسبع سنوات سجنا بتهمة “تمجيد الإرهاب” ودخول البلاد بتأشيرة سياحية غير مناسبة لعمله الصحفي، وكشفت عائلته أنه “معزول” في سجنه، وطالبت بتدخل النجم زين الدين زيدان للمساعدة، وسط اتهامات بأن الاعتقال سياسي مرتبط بالتوترات مع فرنسا.
وأعلنت فرنسا، في 21 غشت الجاري، أنها ستتخذ “نهجاً صارماً” تجاه الجزائر، بما في ذلك رفض إعادة مواطنين جزائريين مطرودين، ودعوة لحوار لكن مع تهديد بإجراءات أخرى إذا لم يتم إطلاق سراح المعتقلين.
هذا التصعيد يأتي كرد على رفض الجزائر التعاون في قضايا الهجرة والترحيل، ويُرى كامتداد للأزمة التي بدأت مع نزاع الصحراء.
ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس، حيث اختفى الرئيس عبد المجيد تبون عن الأنظار منذ أسابيع، قبل حتى حادث حافلة مميت أثار اضطرابات داخلية، والشكوك تتزايد حول صحته أو احتمال تدخل عسكري، مع تقارير استخباراتية تشير إلى أن الجيش، بقيادة الجنرال سعيد شنقريحة، قد يكون وراء “الاختفاء غير المفسر” لتبون، الذي كان يسعى لتعزيز نفوذه أمام المؤسسة العسكرية، ثم أن غيابه يثير مخاوف من فراغ سياسي، خاصة مع تصعيد فرنسا، حيث يُرى أن الرئيس كان يحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع باريس رغم الخلافات، فيما بعض التحليلات تربط غيابه بالضغوط الداخلية الناتجة عن فشل الدبلوماسية الجزائرية في مواجهة الاعتراف الفرنسي بالصحراء المغربية، مما يعزز من عزلة الجزائر إقليميا.
ويُعتبر نزاع الصحراء السبب الجوهري لهذه الأزمة، حيث تدعي الجزائر كذبا أنها ليست طرفا؛ بل مدافعة عن مبادئ الأمم المتحدة والحق في تقرير المصير، ومع ذلك، أدى الاعتراف الفرنسي إلى انهيار العلاقات، مع تصعيد متبادل يشمل الدبلوماسية، الاقتصاد، والقضايا الإنسانية مثل المعتقلين.
وفي تغريدات حديثة على منصة إكس، أبرزت وسائل إعلام أفريقية الطرد المتبادل للدبلوماسيين كدليل على تفاقم الأزمة، وقد تمتد هذه الأزمة والتداعيات إلى المنطقة، مع مخاوف من تصعيد عسكري بين الجزائر والمغرب، خاصة في ظل غياب تبون الذي يُرى كعامل توازن، وفرنسا من جانبها، تبدو مصرة على موقفها، معتبرة أن دعم المغرب جزء من استراتيجيتها في شمال أفريقيا.
ومع استمرار هذه التوترات، يبقى السؤال مفتوحا: “هل سيؤدي غياب تبون إلى تغيير في النهج الجزائري، أم سيزيد من العزلة؟”، الجزائر تتمسك بموقفها من الصحراء المغربية كقضية مبدئية، بينما ترى فرنسا في التصعيد فرصة للضغط.
