الحاجة إلى تخفيف الاحتقان الاجتماعي في زمن كورونا

بقلم الدكتور محمد الزوهري

تستمر عجلة الحجر المنزلي في الدوران إلى وقت غير معلوم، وإن كانت وزارتا الداخلية والصحة حددتا عشرين ماي موعدا لإنهاء الطوارئ الصحية، إلا أن كل المؤشرات الميدانية، ومنها مؤشر عودة عدّاد الإصابات إلى الارتفاع في الأيام الأخيرة، توحي بأن الإغلاق متواصل لا ريب فيه.. وإذا حدث بعض الانفراج بعد هذا التاريخ، فسيكون بسيطا وجزئيا، وسيهمّ أساسا بعض الأنشطة الإنتاجية لامتصاص غضب المتضررين، والتخفيف من حدة الاحتقان الاجتماعي.

إن رهان ما بعد عشرين ماي سينصبّ على محاولات تخفيض معدلات البطالة التي ضربت أطنابها آلاف المواطنين في جل الخدمات والمهن ذات الطابع الاجتماعي، وبعث بعض الدماء في شرايين الحياة العامة.

إن أكثر المتضررين من جائحة كورونا هم – بالتأكيد – المرتبطين بالقطاع السياحي والنقل العمومي والمطاعم والمقاهي والصناعة التقليدية وعددا من الأنشطة الحرية، مثل إصلاح السيارات والأجهزة التكنولوجية، دون إغفال تضرر أغلب الأنشطة التجارية، بإستثناء المواد الغذائية…

ومن الواضح أن الآثار الوخيمة لكورونا باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي، طالما أن مئات الآلاف من أرباب الأسر فقدوا عملهم، أو توقف نشاطهم المهني نهائيا، فانقطعت أرزاقهم، ووجدوا أنفسم فجأة، ودون سابق إشعار أو استعداد، محاصرين وسط خندق العطالة الإجبارية… وربما ستستفحل هذه الأزمة أكثر في القادم من الأسابيع، ما لم تضع الدول تصورا عمليا وناجعا لإنقاذ الاقتصاد الوطني من الانهيار، ودعم اليد العاملة المتضررة، وإعادة تحريك دواليب الخدمات الاجتماعبة (المقاهي، المطاعم..)، وإنعاش الأنشطة الحرفية المعاشية التي تشكل عصب الحياة الاجتماعية…

وبالرغم من أن إعانات صندوق تدبير الجائحة ساهمت نسبيا في تخفيف الضغط، وأعالت الكثير من الأسر المعوزة، خاصة في شهر رمضان، إلا أن جملة من الاختلالات شابت هذه العملية التضامنية، بسبب إقصاء العديد من الفقراء الذين يستحقون فعلا هذه الإعانة، وسوء تدبير طلبات العديد من المحتاجين، وكذا عدم وصول بعض الإعانات إلى أصحابها في الوقت المناسب رغم مرور عدة أسابيع عن الشروع في توزيعها..

عشية هذا اليوم، وفي الطريق من حي “تغاث” إلى حي “مونفلوي” مرورا بوسط المدينة، لوحظت معالم الأزمة وهي تجثم على الحياة العامة… كل المحلات المهنية والتجارة مقفلة، باستثناء دكاكين المواد الغذائية. بحي الدكارات، تحول “كاراج” ضخم اعتاد أن يراه الجميع يعج بالسيارات، فإذا بصاحبه حوّله إلى متجر لبيع الخضر والفواكه.

أمام الأبواب المقفلة للكثير من المحلات التجارية والمهنية جلس عدد من الشباب وهم يتبادلون أطراف الحديث. ربما الكثير منهم باتوا عاطلين، واكتفوا بالشكوى لبعضهم البعض… بدوا يزجون الوقت في انتظار اقتراب آذان المغرب.

بالشارع الذي يفصل حي “أنس” عن حي “بدر” ، احتشد عدد المواطنين أمام حنفية للماء فوق الرصيف، خارجة من بئر وسط إحدى الفيلات، صاحبها آثر أن يتصدق بالماء في هذا الشهر الفاضل… لكن التزود بالماء من العيون الطبيعة بضواحي فاس، خاصة تلك الواقعة بجماعة “عين بيضة”، ليس مجانا ومتاحا للجميع، بعدما بسط مجموعة من ذوي العضلات المفتولة و”الحناك المشروطة” سطوتهم على تلك العيون منذ بضعة أعوام، فصار من يرغب في ملء أوعيته يؤدي بعض الدراهم رغمًا عنه… في العام الماضي كِدتُ أن أدخل في عراك مع أحدهم، عندما أجبرني على الأداء رغم أني ملأت أوعيتي بيدي… في الأخير رميت له ثلاثة دراهم لاتقاء شره.

هذا وباءٌ آخر من أوبئة الجهل والتخلف.. أخطر من كورونا، وهو متأصل يحتاج إلى سنوات طويلة من أجل استئصاله. أما بالنسبة للوباء الفيروسي فيمكن أن يختفي في أي لحظة..


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...