نيني: الجواب الوحيد على الهزيمة هو الانتصار
وأضاف نيني، الذي قضى سنة سجنا نافذا في قضية نشر عندما كان على رأس مجموعة “المساء”، إن الحل الوحيد الذي يوجد أمام المغرب لكي يجنب صورته في الخارج المزيد من الحرج هو أن يقبل بوجود الأصوات الحرة التي تختلف نبرتها عن النبرات السائدة. وهذا لن يضعف هيبة الدولة كما يفهم ذلك بعض قصيري النظر، وإنما سيكون بالنسبة للدولة عين القوة.
وأوضح نيني في حوار خص به موقعى “لكم. كوم” إنه سيبقى صحافيا لا يمارس السياسة ولا المعارضة، وإنما يمارس وظيفة الإخبار والتحليل. وقال إن الصحافة في المغرب مازالت بعيدة عن أن تشكل سلطة رابعة أو خامسة أو سادسة. وعزا نيني ذلك إلى كثرة المتطفلين الذين أصبحوا يفدون إلى الصحافة من مشارب بعيدة ويستثمرون بريقها لتسهيل الولوج إلى دواوين المسؤولين من أجل تسوية ملفاتهم عقاراتهم ومشاريعهم العالقة.
وفيما يلي نص الحوار:
– بالنظر إلى عدد الجرائد المتوفرة في الأكشاك، هل تعتقد أن المغرب محتاج إلى المزيد منها؟
– طبعا. المجال يتسع لخمسة جرائد يومية إضافية على الأقل. المغاربة، عكس ما يعتقد بعض الناشرين، يقرؤون، لكن من سوء حظ الناشرين عندنا أن المغاربة لا يقرؤون أي شيء. فهم دقيقون في اختياراهم وأوفياء أيضا. في الجزائر وتونس ومصر هناك يوميات عديدة تصدر بانتظام، وكل يومية لديها مئات الآلاف من القراء. ومع هبوب نسمات الربيع العربي ظهرت جرائد مستقلة جديدة في هذه البلدان واكبت الحراك الشعبي الذي غير ملامح المنطقة العربية.
– لكنك لم تعش الربيع العربي والحراك الشعبي الذي عرفه المغرب، فعندما كانت عروش الدكتاتوريين تنهار الواحدة تلو الأخرى كنت في السجن، كيف واكبت هذا الزلزال؟
– كنت أتابع نشرات الأخبار في القناتين الرسميتين وأقرأ ما تأتي به الجرائد من أخبار. طبعا كانت أصابع يدي تأكلني لأنني ممنوع من القلم والورقة. وكان دماغي يفور بالأفكار والتحاليل التي كنت أرددها في داخلي لكي أسمعها لنفسي حتى أقنعني برجاحة تحليلي للأوضاع. أشياء كثيرة كان لي فيها رأي أو تعليق أو موقف، لكن هذه الآراء والتحاليل والمواقف كانت ترتطم بأربعة جدران ضيقة وتبقى حبيسة الزنزانة.
– عندما غادرت السجن كان هناك من يقول أنك ذهبت إلى غير رجعة، كيف عشت هذا الموقف؟
– أحسن جواب على الهزيمة هو الانتصار. قالها وينستون تشرشل ذات يوم. وكم كان صادقا.
– في ظل غياب ضمانات قانونية لممارسة مهنة الصحافة بدون عقوبات سالبة للحرية بخصوص قضايا النشر، هل تشعر بالأمان وأنت تعود إلى الكتابة؟
– الضمانة الوحيدة المتوفرة هي المواثيق والعهود الدولية التي وقع عليها المغرب في مجال احترام الحق في حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة وتجريم التعذيب بكل أشكاله. المغرب اليوم يوجد تحت العدسات الدقيقة للمنظمات الحقوقية الدولية المستقلة والحكومة والتابعة للأمم المتحدة، وصورة المغرب في الخارج لا تحتاج إلى المزيد من التلطيخ في مجال حقوق الإنسان، فهي ملطخة بما فيه الكفاية. إن ما سيساهم في تحسين صورة المغرب الحقوقي في الخارج ليس التعاقد مع شركات دولية من أجل القيام بمهمة تلميع الصورة، وإنما الاشتغال على أصل الصورة وتحسينه حتى يكون انعكاسها إيجابيا. أما الاشتغال على الانعكاس دون الأصل فلا ينفع في شيء آخر سوى تبديد الأموال ورصيد المصداقية بالنظر إلى التعهدات التي وقعها المغرب والتزم بها.
– في حوار مع خالد الجامعي قال إن أعضاء اللجنة التي عينها الخلفي وزير الاتصال للتشاور حول مدونة الصحافة والنشر الجديدة كلهم “مخازنية”، ما رأيك؟
– يستطيع خالد الجامعي أن يقول ما يحلو له. فهو يعرف دهاليز المخزن أكثر من أي صحافي آخر، بحكم اشتغاله إلى جانب المخزن في أكثر من ديوان وزاري على أيام إدريس البصري، أو الصدر الأعظم كما يحب أن يسميه. المشكلة ليست في اللجان أو الاجتماعات أو التقارير، وهي أكبر من الخلفي أو غيره، المشكلة في الإرادة السياسية للدولة، هل هناك توجه نحو التوقف عن سجن الصحافيين بسبب كتاباتهم أم لا. إنهم الآن يطالبون بإزالة العقوبات السالبة للحرية من قانون الصحافة، لكنهم ينسون أن المطلب الرئيسي هو أن لا يحاكم الصحافيون بسبب كتاباتهم كمجرمين بفصول القانون الجنائي ويساقوا إلى المحاكم، كما حصل معي، مقيدين بالأصفاد. لأنهم إذا أزالوا العقوبات السالبة للحرية من قانون الصحافة، فإنهم يحتفظون بأخرى في القانون الجنائي.
لذلك فالضمانة الوحيدة لممارسة حرية التعبير عبر الصحافة هي المواثيق والعقود الدولية ونص الدستور الجديد على سمو هذه الاتفاقيات كما صادق عليها المغرب.
إن الحل الوحيد الذي يوجد أمام المغرب لكي يجنب صورته في الخارج المزيد من الحرج هو أن يقبل بوجود الأصوات الحرة التي تختلف نبرتها عن النبرات السائدة. وهذا لن يضعف هيبة الدولة كما يفهم ذلك بعض قصيري النظر، وإنما سيكون بالنسبة للدولة عين القوة.
لماذا لم تفكر إلى اليوم باقتحام المعترك السياسي وتأسيس حزب؟
– من يمارس السياسة يطمح إلى ممارسة الحكم، وكل من يمارس السياسة ويقول أنه يريد أن يبقى في المعارضة هو إما فاشل أو كذاب. أنا صحافي لا أمارس السياسة ولا المعارضة، وإنما أمارس وظيفة الإخبار والتحليل. وليست لدي أدنى رغبة في الوصول إلى أية سلطة كيفما كان نوعها.
– ولكن الصحافة سلطة رابعة؟
– في الدول الديمقراطية الصحافة هي السلطة الأولى. أما عندنا فلازلنا نناضل من أجل الحصول على الخبر، وعندما يتم استدعاء بعضنا أو اعتقالهم يسلمون مصادرهم إلى الأمن خوفا من السجن. ليست لدينا ضمانات لحماية مصادرنا ولا قوانين واضحة للوصول إلى الخبر. لازلنا بعيدين عن ممارسة الصحافة كسلطة رابعة أو خامسة أو سادسة. إننا نمارس وظيفة كثر فيها المتطفلون الذين أصبحوا يفدون إليها من مشارب بعيدة ويستثمرون بريقها لتسهيل الولوج إلى دواوين المسؤولين من أجل تسوية ملفاتهم عقاراتهم ومشاريعهم العالقة.
– لماذا رفضت الكشف عن مصادر أخبارك وفضلت السجن على ذلك؟
– لأنني لو كشفت مصادري هل تعتقد أنني كنت سأستطيع الاستمرار في ممارسة هذه المهنة. إن الكشف عن المصادر بالنسبة للصحافي مثل إطلاق رصاصة الرحمة على الرأس. أفضل مائة مرة أن أحمي مصادري وأدفع الثمن من حريتي على أن أضحي بمصادري وأعيش حرا لكن بلا كرامة.
حرية بريس لكم
