ختام فعاليات الحملة الطبية بفاس… والعمل الميداني ينتصر على الضجيج
حرية بريس
في مدينة اعتاد سكانها أن يطاردوا المواعيد الطبية كما يطارد الأطفال الكرة في الأزقة الضيقة، قرر مجلس عمالة فاس هذه المرة أن يعكس المعادلة: الطبيب هو الذي سيأتي عند الناس، لا العكس. وهكذا تحولت ثانوية ابن باجة من 9 إلى 11 دجنبر 2025 إلى مستشفى مصغّر، لكنه يعمل أسرع وأفضل من مستشفيات كبيرة تحتاج إلى موعد قبل الموعد.
الحملة، المنظمة بشراكة مع المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة والمستشفى الجامعي الحسن الثاني والهيأة المغربية للتطوع، جاءت لتوفير خدمات طبية لساكنة تعبت من الانتظار، ومن “رجع غدا” ومن الطوابير التي تسبق الشمس. النية كانت واضحة: خدمة البشر لا الأصوات. لكن دائمًا هناك فئة ترى أن أي شيء ناجح… لا بد أن يكون وراءه “بلان”.
ورغم الأمطار التي نزلت في اليوم الثاني، ظل المواطنون يتوافدون على مكان الحدث الطبي. تقول السيدة خديجة (54 سنة) بعد فحص العيون:
“الشتا ما كتخوفش… اللي محتاج للطبيب غادي يمشي ولو وسط الواد. اليوم لقيت الفحص والمعاملة، وما بقا ليا ما نقول.”
أما الحاج محمد (63 سنة)، الذي يبدو أن صحته تعبت من كثرة المواعيد المؤجلة، فقال مبتسمًا:
“دارو ليا كلشي فنهار واحد، واللي ما داروش ليا فثلاث شهور ديال السبيطار. هادي راه رحمة ماشي حملة!”
وبينما كانت الأطقم الطبية تشتغل كخلية نحل في اليوم الثالث، كانت بعض الأصوات في الخارج تبحث عن “النقطة السوداء” في صفحة بيضاء. أصوات لا يزعجها المرض قدر ما يزعجها شفاء الناس بدون إذنها. هكذا خرجت الاتهامات المعتادة: “أجندة سياسية”، “استغلال انتخابي”، وغيرها من المصطلحات التي تستعمل عندما ينجح الآخرون بينما هم يبحثون فقط عن فرصة للانتقاد.
لكن الواقع كان أقوى. تقول أمينة (29 سنة) وهي مرافقة لوالدتها:
“الواليدة استفدات، والطبيب عطاها نصائح ما سمعتهمش قبل. واللي كيقول سياسة… الله يعاونه، راه الصحة ما كتديرش السياسة، كتدير الراحة.”
أما عبد الصمد (47 سنة) فقرر وضع النقاط على الحروف:
“اللي بغا يخدم راه كيخدم… واللي بغا غير يهضر، يهضر بوحدو. إحنا شفنا النتيجة بلا شعارات.”
في النهاية، أثبتت هذه المحطة من الحملة الطبية أن العمل الجاد لا يترك مساحة للصوت العالي، وأن خدمة الناس تبقى أقوى رد على كل محاولة للتشويش أو التقليل. فنجاح الأيام الثلاثة، بالإقبال الكبير والتنظيم المحكم ورضا المستفيدين، كان كافيًا ليُسكت الذين حاولوا التشويه ويحوّل انتقاداتهم إلى همسات بلا أثر. لقد خرجت الحملة بنتيجة واضحة: حين تتحرك المبادرات على الأرض، يصمت الضجيج… وتبقى حقيقة واحدة فقط: المواطن استفاد، والخدمة وصلت، والمنتقدون وجدوا أنفسهم خارج المشهد بلا حجة ولا صدى.
