مراحل العلاقات بين المملكة المغربية وجنوب افريقيا

حرية بريس/ عبدالله حفري

شهدت العلاقات بين المملكة المغربية وجنوب إفريقية تطورات معقدة منذ الستينات، متأثرة بالسياقات السياسية والاقتصادية والإيديولوجية، حيث مرت بمراحل من التعاون الوثيق في الستينات والتسعينات، تلتها فترة توتر بسبب قضية الصحراء المعربية منذ 2017.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت مرحلة تطبيع تدريجي مع تركيز على التعاون الاقتصادي، وآخر هذه التطورات حصلت هذه السنة (2025)، تشير إلى إمكانية تقارب أكثر، خاصة مع دعم شخصيات جنوب أفريقية لموقف المغرب، مثل جاكوب زوما المنشق عن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم (ANC)، المؤسس لحزب رمح الأمة (MK Party)، الذي كسر الجمود وقام بزيارة للملكة المغربية اعتبرت تاريخية، وفيما يلي نظرة شاملة لتطور هذه العلاقات:

الستينات: بدايات التعاون

1962: زار نيلسون مانديلا، زعيم حركة التحرير في جنوب إفريقيا، المغرب لطلب الدعم في الكفاح ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتيد)، وقد استجاب المغرب لهذا الطلب بتقديم دعم مالي وعسكري، بما في ذلك تدريب جنود حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في وجدة، هذه الفترة شهدت تعاونا إيجابيا بين البلدين، حيث كان المغرب يدعم حركات التحرر في إفريقيا.

التسعينات: تعزيز العلاقات

1990: عاد مانديلا إلى المغرب بعد الإفراج عنه للتعبير عن شكره على دعم المغرب خلال النضال ضد الأبارتيد(وهو نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا عام 1948)، مما أدى إلى إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين.

1992: رفع المغرب مستوى تمثيليته الدبلوماسية في بريتوريا إلى مستوى سفارة، وتبادل البلدان زيارات رسمية، بما في ذلك زيارة مانديلا وفريديريك دو كليرك للمغرب، وزيارات وزراء مغاربة إلى جنوب إفريقيا.

الألفية الجديدة: التوتر بسبب قضية الصحراء

2000-2004: بدأت العلاقات تشهد توترا بسبب موقف جنوب إفريقيا من قضية الصحراء المغربية، حيث اتخذت بريتوريا موقفا داعما لجبهة البوليساريو الإنفصالية، مما أدى إلى برود العلاقات.

2004: اعترفت جنوب إفريقيا رسميا بـ”الجمهورية الصحراوية” الوهمية، ما دفع المغرب إلى سحب سفيره من بريتوريا، وهو ما أدى إلى شبه قطيعة دبلوماسية، هذا التوتر تفاقم بسبب تأثير شخصيات، مثل نكوسازانا دلاميني-زوما المرأة الحديدية بجنوب أفريقيا وداخل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي وقتها، الداعمة للبوليساريو، ومنافسة البلدين على استضافة كأس العالم 2010.

2010-2016: استمرار الجمود الدبلوماسي

رغم التوتر السياسي، استمرت المبادلات التجارية بين البلدين. في 2016، بلغت قيمة الواردات المغربية من جنوب إفريقيا 1.8 مليار درهم، بينما ارتفعت الصادرات المغربية من 144.8 مليون درهم في 2010 إلى 654 مليون درهم في 2016، وفي 2012 عقد المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية يوما دراسيا حول العلاقات المغربية-جنوب إفريقية، أكد على الفرص الاقتصادية الكبيرة بين البلدين رغم الخلافات السياسية.

2017: استئناف العلاقات الدبلوماسية

بعد غياب دام 33 عاما شكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 نقطة تحول، حيث أعربت جنوب إفريقيا عن ترحيبها بهذا الانضمام، مما مهد لإذابة الجليد في العلاقات، وفي ديسمبر 2017 أعلن الرئيس جاكوب زوما استئناف العلاقات الدبلوماسية مع المغرب بعد لقاء مع الملك محمد السادس على هامش قمة الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي في أبيدجان. أكد زوما أن الخلاف حول الصحراء لا ينبغي أن يعيق العلاقات الثنائية.

2018: زيارة وزيرة الخارجية الجنوب إفريقية ناليدي باندور للرباط لحضور مؤتمر إفريقي عززت من مسار التقارب.

2020-2025: تقلبات مستمرة وتحولات جديدة

2021: عادت التوترات للواجهة بسبب استمرار دعم جنوب إفريقيا للبوليساريو، خاصة بعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء. رأى البعض أن موقف جنوب إفريقيا يعكس سوء فهم تاريخي وثقافي لقضية الصحراء، معتبرين أنها ترى الصحراويين كمجموعة إثنية منفصلة.

2023-2024: واصلت جنوب إفريقيا دعمها للبوليساريو، مما أثار انتقادات في المغرب، خاصة مع استمرار دعم بريتوريا لـ”حق تقرير المصير” في الأمم المتحدة.

2024-2025: شهد عام 2024 تحولا هادئا في العلاقات

2025: زيارة جاكوب زوما، الرئيس السابق لجنوب إفريقيا وزعيم حزب “أومكونتو ويسيزوي” المعارض، إلى الرباط في يوليو 2025، أثارت اهتماما كبيرا، حيث أعرب زوما عن دعمه لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو موقف يمثل تحولا تاريخيا مقارنة بالسياسة التقليدية للحزب الحاكم الداعم للبوليساريو، هذا الموقف عزز آمال التقارب الاقتصادي والسياسي بين البلدين.

الوضع الحالي

اقتصاديًا: يُعتبر المغرب وجنوب إفريقيا شريكين اقتصاديين مهمين في إفريقيا. جنوب إفريقيا هي الشريك الاقتصادي الأول للمغرب في القارة، مع إمكانيات لزيادة التعاون في إطار منطقة التبادل الحر القارية الإفريقية.

سياسيًا: رغم التقارب الأخير، لا تزال قضية الصحراء تشكل عقبة رئيسية، لكن هناك توجه نحو البراغماتية لتعزيز التعاون الاقتصادي وتجاوز الخلافات الإيديولوجية.

رياضيا: تظل المواجهات الرياضية، خاصة في كرة القدم، تعكس تنافسا قويا، حيث سجلت جنوب إفريقيا تفوقا طفيفا في المواجهات التاريخية (11 مباراة، توازن في النتائج).


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...