مذبحتان للقضاة والقضاء
مسلسل اللامعقول مستمر في مصر، إذ في حين لم نُفِق من المذبحة الجارية للقضاة، حتى فوجئنا بمذبحة أخرى ضحيتها القضاء ذاته، الأمر الذي يثير شكوكنا في الأهداف الحقيقية لذلك الذي يجري
ذلك إنني ظللت طوال الأسابيع الأخيرة أتابع بدهشة بالغة عملية التنكيل برموز القضاء وبقاماتهم الرفيعة، وهو ما تمثل في تقديم بلاغات كيدية ضدهم، مرة بإهانة القضاء(!)، وتارة بالاشتغال بالسياسة، وتارة أخرى بالانخراط في تنظيم سري. كما تمثل في تسريب أخبار إلى الصحف تتحدث عن ضبطهم وإحضارهم إلى جانب إحالة بعضهم إلى الصلاحية للنظر في تأديبهم، إلى غير ذلك من حملات التشويه المتعمد التي لم تُبق لأولئك الرموز شيئا من الكرامة(…).
لم يقف الأمر عند تلك الحدود، إنما امتد التنكيل بحيث شمل نحو 150 قاضيا ممن أيدوا الثورة. فأحيلوا بدورهم إلى الصلاحية، كما أسقطت عضويتهم في نادي القضاة بالمخالفة للائحة النظام السياسي، كى لا ينافسوا غيرهم في انتخابات مجلس إدارة النادى. الخلاصة أن ساحة القضاء شهدت في الآونة الأخيرة حملة واسعة النطاق لتصفية الحسابات، تعددت أسبابها ومشكوك في براءتها. ومن النماذج الصارخة على ذلك أن قاضيا في إحدى محافظات الوجه القبلي فوجئ بأنه أصبح متهما في قضية اخترعتها التقارير الأمنية، واعتبرتها تنظيما مواليا للإخوان باسم قضاة من أجل مصر، ولأن الرجل كان بعيدا عن القضاة الذين أيدوا الثورة، فقد أجرى اتصالات عديدة للتعرف على أسباب اتهامه، وحين وقع على من أخبره بالحقيقة آنذاك، قيل له إنه أُقحم في القضية لسببين، أولهما أنه نظرت أمامه قضية كان أحد مساعدي وزير العدل مدعيا فيها، وقد اتصل به مساعد الوزير لكي يضع هذه الخلفية في اعتباره، ولكن صاحبنا وجد أنه لا حق له فلم يحكم لصالحه. وهو موقف حُسب عليه وسُجل ضده، السبب الثانى أن القاضى المذكور قدر له أن يرأس لجنة انتخابية أثناء حكم الإخوان، وتصادف آنذاك أن الدكتور محمد بديع مرشد الإخوان كان من المصوتين في تلك اللجنة، وحين دخل الأخير إلى القاعة، فإن صاحبنا رحب به وصافحه. واعتبرت تلك نقطة أخرى حُسبت عليه وسُجلت ضده، وبسبب ارتكابه هاتين «الجريمتين»، فإن الرجل اعتبر مغضوبا عليه، وتم تأديبه بإدراجه ضمن المتهمين في قضية قضاة من أجل مصر!.
كانت تلك بعض شواهد المذبحة الدائرة في محيط القضاة، وفي حين اعتبرتها كارثة تسىء إليهم، وتشوه صورتهم، فإنني لم أتوقع حدوث الأفدح حين بدا أن القضاء ذاته لم يعد في نظر كثيرين صرح العدالة وملاذ المظلومين، الأمر الذي نال من هيبته وهز الثقة فيه، فقد فوجئنا خلال العام الأخير بأن الذين اتهموا بقتل الثوار وتعذيبهم تمت تبرئتهم في نحو أربعين قضية رفعت ضدهم. وفي الوقت ذاته انهالت الأحكام بالغة القسوة ضد الشباب والفتيات والتي وصلت إلى السجن 15 و17 سنة لمجرد اشتراكهم فى التظاهرات الطلابية، حتى فُجعنا في الحكم الأخير الذي صدر يوم الاثنين 3/24 بإعدام 529 شخصا من قاضي محكمة جنايات المنيا، في قضية اتهم فيها ذلك العدد الضخم بقتل ضابط شرطة والشروع فى قتل اثنين، ولم يكن الحكم وحده هو الفضيحة التى دوت أصداؤها في أنحاء العالم، وإنما كانت هناك فضيحة أخرى تمثلت في أنه لم تكن هناك محاكمة أصلا، حيث لم تتبع فيها أي من الاجراءات المقررة، من إثبات حضور المتهمين وسؤالهم، وصولا إلى سماع مرافعات الشهود والدفاع. إذ استغرقت الجلسة الأولى 20 دقيقة فقط، ثم تم النطق بالحكم في الثانية، وبدا أن الطريقة التي تمت بها العملية بمثابة إهدار للقانون وطعنة تهز الثقة في العدالة، وتكاد تُنهي عصر القضاء في مصر، عبّرت عن ذلك تعليقات عدة، فاعتبرتها منظمة العفو الدولية حدثا غير مسبوق في التاريخ المعاصر (…).
> فهمي هويدي >
