دستور الأدوية
رشيد نيني
لجميع يعرف دستور 2011 الذي صوت عليه المغاربة، لكن غالبية المواطنين لم يسبق لهم أن سمعوا بشيء اسمه دستور الأدوية، وهو دستور موجود فعلا، ومنصوص عليه بمدونة الأدوية لسنة 2006، والتي تعرفه بكونه المصنف الذي يضم أهم خصائص الأدوية، ويحدد قائمة الأدوية المتعارف عليها عالميا، وجداول مقاديرها وخصائصها وكل المعلومات التي تفيد الصيدلي في ممارسته لمهامه، وتشرف على وضعه وتحيينه لجنة تسمى اللجنة الوطنية لدستور الأدوية.
وقد صدر بتاريخ 17 دجنبر 2012 مرسوم عن الوزير الوردي بتحديد تأليف وكيفيات سير اللجنة الوطنية لدستور الأدوية، والتي تضم ممثلين عن وزارة الصحة وممثلين عن مدير الصناعة بوزارة مولاي حفيظ العلمي المكلفة بالصناعة والتجارة، وممثل قطاع الصناعة الدوائية وغيرهم.
غير أن ما يثير الانتباه هو إغفال المرسوم لتمثيلية المستهلك في هذه اللجنة، بالرغم من كونه المواطن “المهلوك” الأول والأخير بسبب غلاء ثمن الأدوية، ومع ذلك يبقى الغائب أو المغيب الأكبر في هذه اللجنة، مما يجعل “دستور الأدوية” دستورا غير ديمقراطي.
وقد سبق للوزير نصف الشيوعي في حكومة عبد الإله بنكيران الأولى الدكتور الوردي أن صرح لوكالة الهاشمي للأنباء، على هامش مشاركته في مؤتمر وزاري بجنيف. نظم بشراكة بين منظمة الصحة العالمية والبنك العالمي حول التغطية الصحية على الصعيد العالمي، بأن الحكومة قامت بتخفيض أثمنة 320 دواء بعضها بنحو 83 في المائة. في أفق مراجعة أثمنة أكثر من 1500 دواء بهدف التخفيض منها.
والحقيقة أننا لا ندري إن كانت حكومة عبد الإله بنكيران الثانية ستستطيع الوفاء بهذا الوعد تجاه فقراء الشعب المغربي، بعدما فتحت ذراعيها لرياح الليبرالية القادمة على ظهر حمامة التجمع الوطني للأحرار، خصوصا مع وزراء، مثل مولاي حفيظ العلمي، لا يؤمنون إلا بمبدأ “دعه يعمل دعه يمر”، والذين قد يرون في تخفيض أثمنة الدواء بالمغرب ضربا لحرية الأسعار وعرقلة لمجهودات الاستثمار، هذا الاستثمار الذي سيناسب مقاس وزير وافد جديد على الحكومة، يحمل إلى جانب الاستثمار أوزار الصناعة والتجارة والاقتصاد الرقمي، حتى أنه لثقل حقيبته تم تكليف وزيرين منتدبين لمساعدته في مهامه.
والحقيقة أنه كان يمكن للسيد بنكيران أن يقتصد في عدد الوزارات، بأن يضيف قطاع الصحة إلى وزارة التجارة والصناعة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، طالما أن مهنة الطب والصيدلة أصبحتا مجالا خالصا من مجالات الاستثمار التجاري، وقريبا إن شاء الله ستتحول مصحات الضمان الاجتماعي شبه المفلسة إلى مصحات سياحية وتجارية زاهرة ومربحة بفضل تفويتها للخواص، أو السماح بالتدبير المفوض لها من قبلهم، وتنفيذ سياسة الأبواب المشرعة أما أصحاب الشكارة.
وإذا كان القانون يبيح للمتقاضين تجريح القاضي الذي ينظر في ملفهم، بسبب قرابة أو عداوة مع أحد الخصوم، أو لمجرد وجود مصلحة شخصية له في النزاع أو مصلحة لزوجه أو أحد أقاربه، فإن من حق المغاربة جميعا أن يجرحوا، من التجريح، السيد حفيظ العلمي في المشاركة في اتخاذ القرار بشأن قانون مهنة الطب، والذي سيدافع بدون شك عن فتح أبوابها للاستثمار في القطاع الصحي أمام الشركات الأجنبية وأصحاب الرساميل الكبرى، ما دام سيادته قد عبر علنيا عن نيته في الاستفادة من تفويت مصحات الضمان الاجتماعي لمجموعته حين صرح في 17 يناير 2013 لمجلة “فينانس نيوز” الاسبوعية بأنهم في مجموعة سهام “لا ينجزون الأشياء في حدود النصف، وأن فرقهم مستعدة، ولا ينتظرون سوى أن يسمح لهم القانون بالخوض في مجال الصحة”.
ولهذا الهدف “سبق” الملياردير حفيظ العلمي العرس بليلة كما يقال، وربما بسنة كاملة، عندما أسس شركة طبية تحت غطاء الاستشارة في التسيير، والتي اختار لها اسمSAHAM ASISANTE ، بعد أن وطنها بمقر شركة التأمين “سينيا السعادة”، ويأتي هذا المشروع “الاستباقي” في إطار شراكة بين معالي وزير التجارة والصناعة والاقتصاد الرقمي، وشريكته الدائمة غيثة لحلو وشركاء إسبانيين من ضمنهم أطباء من تعاونيةLAVINA ASISA التي تضم أكثر من 20 ألف طبيب، في أفق فتح مصحات طبية بالمغرب.
وهكذا شرع مولاي حفيظ العلمي في تركيب قطب داخل مجموعته يحمل اسم “سهام لإدارة العناية الصحبة”، والتي ستضم بالتأكيد كلا من شركة “ساهام أسيسانطي” أو “إسعاف أسيستانس” التي يمتلكها بالاشتراك مع شركة مونديال أسيستانس، أو “ساهام فارما” التي أسسها منذ 29/03/2010، والتي يسير بواسطتها شركة “كلاسكو سميث كلاين” البريطانية بالمغرب لصناعة الأدوية والتي كلفته مبلغ 21.5 مليون درهم.
وباختصار، فإن مولاي حفيظ العلمي، الذي تكرم على المغاربة بتنازله عن راتبه كوزير في حكومة عبد الإله بنكيران بشكل مباشر، قد يستفيد من مشاريع القوانين المعروضة للدرس والمناقشة بشكل غير مباشر، ما دام أن شركاته تقوم بتأمين أغلب الإدارات العمومية بما في ذلك البرلمان والأمن والقضاء، ويوفر لموظفيها التغطية الصحية الأساسية أو التكميلية عبر شركة “سينيا السعادة”، أو “الصينية السعيدة” على رأي حسن الفد قبل أن يحصل على عقد إشهاري حصري مع “مول الصينية” الذي سيصبح مع مشاغله الوزارية الجديدة مشغولا عن زيارة فندقه الخاص بقلب باريس حيث تحضنه وتحيط به ” السعادة الفرنسية” من كل جانب.
كما أن مولاي حفيظ العلمي قد يصبح المسؤول الأول عن نقل المواطنين المصابين أو المرضى، عبر سيارات إسعاف إلى مصحاته الخاصة ويعالجهم بفضل أدويته المصنوعة في مصانعه.
ولذلك فمن الطبيعي أن يكون في موضع التجريح وهو يشارك كوزير للتجارة والصناعة والاستثمار والاقتصاد الرقمي في إخراج مشاريع النصوص المتعلقة بالقطاع الطبي والصيدلي إلى حيز الوجود، أو بمناسبة مشاركة وزارته في أشغال اللجنة الوطنية لدستور الأدوية.
ولم يتوقف طموح الملياردير مولاي حفيظ العلمي عند هذا الحد، بل قام بتاريخ 20/06/2013 بإيداع علامة تجارية خاصة بشراكة “ساهام للإدارة الطبية”، أوSAHAM HEALTHCARE ADMINISTRATION تحت عدد: 152965.
فهل سيلعب الليبرالي حفيظ العلمي، الذي أصبح وزيرا، دور المحامي الشرس لمؤازرة زميله الشيوعي ” اللاروب” الدكتور الوردي في حكومة الإسلامي مولاي عبد الإله بنكيران، من أجل تسريع إخراج قانون القطاع الطبي المثير للجدل، ضدا على إدارة الأطباء المعارضين لخوصصة مصحات الضمان الاجتماعي، وفتح رساميل المصحات الطبية أمام أصحاب الشكارة؟ فقط نذكر مولاي حفيظ العلمي، هو الذي يملك أصدقاء كثيرين في القضاء، بأن الفصل 36 من الدستور المغربي ينص على أن القانون يعاقب على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكما يعاقب على كل مخالفة ذات طابع مالي.
وإذا كان بنكيران قد أبدى سخاء منقطع النظير في توظيف الوزراء، فإنه طيلة سنة 2013 لم يعلن سوى عن مباراة واحدة لتعيين 80 طبيبا عاما وصفر مباراة في الاختصاص.
رغم أن عدد الأطباء الذين تخرجوا هذه السنة وصل إلى قرابة 800 طبيب يواجه معظمهم البطالة. فالقطاع الخاص لديه اكتفاء فيما المباريات منعدمة، وما سيزيد في الطين بلة بروز دفعة جديدة سنة 2014 لا تفصلنا عنها سوى بضعة أيام قبل أن تنهي امتحانها الأخير لتنضم إلى مصاف المعطلين.
والسؤال الذي يطرحه هذا الجيش من الأطباء العاطلين هو لماذا يطبل بنكيران للمباريات كوسيلة وحيدة للتوظيف إذا كانت هذه المباريات غير موجودة؟
ولذلك نزل الأطباء يوم 22 أكتوبر أمام مقر وزارة الصحة لإسماع صوتهم، وهي الوقفة التي لم يعرها المسؤولون اهتماما يذكر، وكأن الطبيب الذي درس 8 سنوات بعد الباكالوريا وعانى الأمرين في مستشفيات الدولة بدون مقابل ثم عانى سنة من البطالة لا تقيم له الحكومة اعتبرا، بحيث لم ينزل الوزير أو أي من أعوانه لمقابلة الأطباء ولم تكن هناك تغطية إعلامية في عين المكان كافية للحدث، رغم أن الدكتور الوردي، طبيب التخدير والعميد السابق كان يسمي هؤلاء الأطباء “زبدة الزبدة”.
اليوم هناك من ينظر إلى قطاع الصحة كفرصة لربح الزبدة وثمن الزبدة، مع ابتسامة صاحبة المحلبة “من الفوق”.
