فاس تغرق في دوامة الفشل.. عندما يفشل الطبيب في تشخيص علل المدينة عُمدة فاس عبد السلام البقالي بين وعود لم تتحقق وتسيير أحادي يُفاقم الأزمات
حرية بريس
لم تكن فاس، المدينة العريقة والعاصمة الروحية للمملكة، بحاجة إلى من “يجرّب” في تسيير شؤونها المعقدة، لكن يبدو أن القدر السياسي قاد الدكتور عبد السلام البقالي، الطبيب القادم من خارج دهاليز التدبير المحلي، إلى كرسي عمدة المدينة عن طريق صدفة انتخابية أكثر منها نتيجة رؤية أو مشروع واضح المعالم.
ومنذ ذلك الحين، تحوّل هذا الكرسي من فرصة للإصلاح إلى بؤرة للجدل والخيبات، بعدما أصبحت معظم مشاريع الجماعة تسير في اتجاه واحد: الفشل أو الجمود.
تتوالى الإعلانات عن “مرحلة جديدة” و“أوراش كبرى” في فاس، لكن الحصيلة على الأرض تكشف واقعاً مختلفاً تماماً.
فمن ملف البركينات الذي يستنزف مداخيل الجماعة بمليارات السنتيمات دون حلول عملية، إلى مشكل النظافة الذي ما زال قائماً رغم الوعود المتكررة بإصلاح المنظومة، تظلّ الصورة العامة قاتمة.
كل موسم يقدَّم للساكنة شعارات من قبيل “الانطلاقة الجديدة” و”التحول التنموي”، غير أن النتيجة النهائية لا تتجاوز بيانات وتصريحات سرعان ما تتبخّر أمام واقع الخدمات المتردي.
دورة أكتوبر الأخيرة شكّلت لحظة مفصلية في المشهد السياسي المحلي، بعدما انسحب عدد كبير من أعضاء الأغلبية، تاركين العمدة في مواجهة مباشرة مع المعارضة.
السبب، حسب مصادر من داخل المجلس، هو النهج الأحادي في التسيير وغياب التواصل مع مكونات المجلس، مما جعل كثيراً من المستشارين يشعرون بالتهميش والإقصاء من دائرة القرار.
هذا التصدّع داخل الأغلبية جعل جماعة فاس تعيش حالة شلل مؤسساتي غير مسبوقة، حيث أصبحت القرارات تُتخذ دون إجماع، والمشاريع تُطلق دون تشاور، ما زاد من حالة الارتباك والارتجال التي تطبع الأداء الجماعي.
منذ انتخابه، أطلق العمدة عبد السلام البقالي سلسلة من الوعود حول تحسين الخدمات وجلب الاستثمارات وتوسيع البنيات التحتية، لكن الواقع يؤكد أن معظم هذه الوعود بقيت حبراً على ورق.
فـالاستثمار يهرب من المدينة، والاقتصاد المحلي يعيش حالة ركود، والمساحات الخضراء التي كانت زينة فاس تعاني اليوم إهمالاً واضحاً، بينما مشاريع التهيئة والتطهير والنقل الحضري تراوح مكانها.
كل هذا جعل فاس، المدينة ذات التاريخ الحضاري العريق، تغرق في مستنقع من الفشل الإداري والاختلالات البنيوية، وسط غياب أي رؤية متكاملة للنهوض بها.
المفارقة المؤلمة أن عمدة فاس طبيب في الأصل، لكنه لم ينجح في تشخيص أمراض المدينة ولا في وصف الدواء المناسب لها.
فبدل أن يقدّم نموذجاً في الإصلاح، بدا في كثير من الأحيان فاقد البوصلة، يتنقّل من وعدٍ إلى آخر، ومن خطابٍ إلى آخر، دون أن يترك بصمة واضحة على مسار المدينة.
وإذا كان المثل يقول إن “فاقد الشيء لا يُعطيه”، فإن حالة فاس اليوم تعكس تماماً هذه المقولة: مشاريع متوقفة، ثقة مفقودة، وتنمية غائبة.
أمام هذا الواقع، يعيش المواطن الفاسي حالة من الإحباط والخيبة، بعدما تبخّرت الآمال التي وُلدت عقب الانتخابات الأخيرة.
المدينة التي كانت يوماً منارةً للعلم والحضارة، أصبحت اليوم عنواناً للتراجع وسوء التدبير، تنتظر من يُعيد إليها نبضها وروحها.
قد تكون فاس في حاجة إلى من يُشخّص أوجاعها بصدق، لا إلى من يكتفي بالكلام عن الإصلاح دون الفعل، وإلى من يمتلك رؤية واضحة وشجاعة سياسية تعيد الثقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة.
فاس لا تموت، لكنها تتألّم.
وما لم يغيّر العمدة ومن معه طريقة تسييرهم، فستظل هذه المدينة التاريخية تسير نحو المجهول، تبحث عن منقذٍ يُعيد لها ما فقدته من بريق وكرامة ونجاعة.
