برافو والي فاس… تجاهل العمدة لتعليمات الملك يفضحه الوالي ويضع الفئات الهشة في قلب الحدث

حرية بريس

لم تهدأ مدينة فاس منذ تفجّر قصة أبناء الخيرية الذين وجدوا أبواب مكتب العمدة مغلقة في وجوههم، وكأنهم يطلبون امتيازاً وليس حقاً أصيلاً في الإنصات. وبينما ظلّ المنتخب الأول للعاصمة العلمية متحصّناً خلف جدران لا تتفاعل إلا مع فئة محددة، ظهر الوالي الجديد خالد آيت الطالب ليقلب المشهد رأساً على عقب منذ اللحظة الأولى، ويعيد تعريف معنى المسؤولية العمومية في مدينة أنهكها سوء التواصل قبل سوء التدبير.

الوالي لم يحتج إلى بيانات رسمية ولا إلى بروتوكولات ثقيلة. فخارج أحد اللقاءات بقصر المؤتمرات، اعترضه أعضاء جمعية “رؤية المستقبل”، ورووا له ما تعرضت له هذه الفئة الهشة من تهميش وصدّ من طرف مؤسسة كان يفترض أن تكون الأكثر قرباً من المواطنين. لم يتردد، لم يتلعثم، لم يبحث عن مخرج بروتوكولي. التفت إليهم مباشرة وقال عبارته التي ستبقى راسخة في هذا الملف:

«نتوما هوما اللّوّال… نستقبلْكوم».

في تلك اللحظة، شعر أبناء الخيرية أن الدولة لا تزال بخير، وأن المؤسسة التي تمثلها في الجهة تعي جيداً أن الفئات الضعيفة لا تُترك عند الأبواب، ولا يُقال لها “عُودوا غداً”، ولا تُرمى في دهاليز الانتظار. كلمة واحدة من الوالي كانت كافية لتكشف الفرق الفاضح بين مسؤول ينتمي لمدرسة القرب الحقيقي، ومسؤول منتخب وضع بينه وبين الناس جداراً غير مرئي لكنه كثيف وثقيل.

والسؤال الذي تصدّر النقاش الفاسي هو: كيف لعمدة المدينة أن يرفض استقبال أبناء الخيرية في وقت يؤكد فيه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطاباته المتكررة، أن حماية الفئات الهشة واجب وطني، وأن الإدارة يجب أن تكون في خدمة المواطن وليس العكس؟

فالملك لطالما شدّد على أن “إصلاح الإدارة يبدأ من احترام المواطن، خصوصاً حين يكون ضعيفاً بلا سند”، وأن “المسؤول الذي لا يسمع ولا يقترب فقد جوهر المهمة التي أوكلها له الوطن”. كما دعا جلالته، في محطات عديدة، إلى محاربة التعالي الإداري، وفتح الأبواب، وتحويل الإدارة إلى ملجأ للحلول لا إلى مصدر جديد للمعاناة. هذه ليست اقتباسات حرفية، لكنها خلاصة واضحة لروح خطاباته التي يعرفها كل المغاربة، والتي تجعل الإنصات للفئات الهشة واجباً لا يقبل التأجيل أو التهرب.

ورغم أن القضية أصبحت حديث مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشرت تسجيلات ونداءات تحمّل العمدة مسؤولية هذا السلوك الغريب، إلا أن مكتب الأخير حافظ على صمته، تاركاً فئة ضعيفة في مواجهة باب مغلق، بينما يتحدث المغرب كله عن “الدولة الاجتماعية” التي أرادها الملك واقعاً ملموساً لا مجرد شعار.

ومع تصاعد الجدل، خرج عدد من الفاعلين الجمعويين في بث مباشر شديد اللهجة يحمّلون العمدة مسؤولية الإساءة لهذه الفئة. وفي فقرة قصيرة لكنها موجعة، قال الفاعل الجمعوي المهدي الموفق:

“جلالة الملك يوصي دائماً بالعناية بالفئات الهشة والاقتراب منهم… لكن عمدة فاس اختار أن يغلق الباب بدل أن يفتح أذنيه. هذه رسالة سلبية لا تليق بمدينة بحجم فاس.”

كان ذلك التصريح كافياً لتسليط الضوء على حجم التناقض بين الرؤية الملكية وبين ممارسات المنتخبين.

أبناء الخيرية من جهتهم عبّروا عن امتنان كبير للوالي، مؤكدين أن مبادرته أعادت إليهم الكرامة التي فقدوها عند باب مؤسسة كان يفترض أن تكون أقرب إليهم. قالوا بصراحة إنهم “اكتشفوا أن القرب الحقيقي يأتي من ممثل الدولة، لا من المنتخب الذي يفترض أنه صوّت ليخدمهم”.

وهكذا وجدت فاس نفسها أمام مشهد لا يمكن تجميله:

مسؤول تنفيذي يفتح الأبواب بلا تردد، ومسؤول منتخب يغلقها بلا تفسير.

وليست المشكلة في حادثة عابرة، بل في نموذجين متناقضين لمفهوم السلطة:

سلطة تعتبر المواطن محور وجودها، وسلطة تعتبر نفسها أعلى من أن تستمع لمن لا حول لهم ولا قوة.

تداعيات هذه القضية لن تتوقف عند حدود الغضب الرقمي، لأنها ببساطة تمس جوهر ما دعا إليه الملك في جميع خطاباته حول العدالة الاجتماعية: ألا يُترك الضعفاء خلف الأبواب المغلقة. وهذا ما فهمه الوالي، وما فشل العمدة في استيعابه.

وهنا يطرح الرأي العام الفاسي سؤالاً مؤلماً لكنه مشروع:

هل يمكن لمدينة مثل فاس أن تتقدم بينما من يتوجب عليهم الإصغاء يختارون الاختباء؟

وإلى أن يخرج العمدة عن صمته، سيظل الفرق صارخاً بين أبواب تُفتح باسم الوطن… وأبواب تُغلق باسم اللامبالاة.

السيد الوالي خالد آيت الطالب أثبت أنه فعلاً ابن الشعب، وأن المسؤولية ليست شعارات فارغة، بل أفعال تُترجم على أرض الواقع. بكلماته الصادقة وتصرفه المباشر، طبق تعليمات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في القرب من المواطنين والاعتناء بالفئات الهشة، مظهراً أن السلطة الحقيقية هي تلك التي تُفتح أبوابها للضعفاء قبل الأقوياء. بالمقابل، العمدة اختار الصمت والتعالي، مغلقاً الأبواب أمام من يحتاجون للإنصات والمساعدة، كاشفاً الفرق الشاسع بين من يفهم جوهر المسؤولية ومن يختبئ خلف البروتوكولات والإجراءات الرسمية. في هذا السلوك، يبرز الوالي نموذجاً يحتذى به في الإدارة العمومية، مؤكدًا أن كل لقاء يجب أن يكون فرصة لإعادة الكرامة لأبناء المدينة، وأن القرب من المواطن ليس اختياراً بل واجب وطني لا يُساوم عليه.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...