رحلة الأسود الأطلسية في كأس العالم: من البدايات المتواضعة إلى أحلام الجماهير الكبرى

حرية بريس/ عبد الله حفري

في قلب ملاعب كرة القدم، حيث تنبض الأحلام وتتشابك الطموحات، يقف المنتخب المغربي، (الأسود الأطلسية)، كرمز للعزيمة الشامخة كجبال الأطلس، فمنذ أول خطوة في كأس العالم 1970، وحتى الإنجاز التاريخي في قطر 2022، حفرت الأسود طريقها بقوة وإصرار، تحت قيادة مدربين تركوا بصماتهم، وبدعم من الجماهير المغربية والأفريقية والعربية تحولت آمالها إلى طموح عالمي؛ دعونا نعيش هذه الرحلة، من البدايات المتواضعة إلى أحلام الكبار.

كانت مشاركة المغرب الأولى في كأس العالم بالمكسيك عام 1970 لحظة تاريخية، إذ أصبح أول منتخب أفريقي شمالي يتأهل إلى النهائيات بعد مصر في 1934، تحت قيادة المدرب اليوغوسلافي بلاغويا فيدينيتش، الذي أدخل لمسة أوروبية على اللعب المغربي، وقد واجه الأسود مجموعة صعبة تضم ألمانيا الغربية وبيرو وبلغاريا، حيث خسر المنتخب المغربي أمام ألمانيا 1-2 وأمام بيرو 0-3؛ لكنه حقق تعادلا مشرفا 1-1 ضد بلغاريا، ولم يتأهل إلى الدور الثاني؛ لكن هذه المشاركة زرعت بذور الأمل في قلوب الجماهير، معلنة عن دخول أفريقيا إلى خريطة الكرة العالمية.

وبعد غياب دام 16 عاما، عاد المغرب إلى النهائيات في المكسيك مرة أخرى عام 1986، تحت إشراف المدرب البرازيلي المرحوم جوزيه فاريا، الذي ركز على الدفاع الصلب والسرعة في الهجمات المرتدة، وهنا صنع التاريخ، حيث تصدر مجموعته أمام إنجلترا وبولندا والبرتغال، ليصبح أول منتخب أفريقي يتأهل إلى الدور الثاني، وذلك بعدما انتصر على البرتغال 3-1، وتعادل مع إنجلترا وبولندا دون أهداف، وفي الدور الـ16، خسر أمام ألمانيا الغربية 0-1 بهدف متأخر؛ لكن هذا الإنجاز ألهم قارة بأكملها، محطما الصور النمطية عن الكرة الأفريقية.

وفي الولايات المتحدة عام 1994، قاد المدرب المغربي المرحوم عبد الله بليندة المنتخب؛ لكنه واجه صعوبات كبيرة، حيث خسر المغرب جميع مبارياته أمام بلجيكا (0-1)، السعودية (1-2)، وهولندا (1-2)؛ رغم أداء مشرف في بعض اللحظات.

أما في فرنسا 1998، تحت قيادة الفرنسي هنري ميشيل، فقد أظهر الفريق تحسنا واضحا: تعادل مع النرويج 2-2، خسر أمام البرازيل 0-3، وانتصارعلى اسكتلندا 3-0 في مباراة مثيرة، ورغم ذلك لم يتأهل بسبب فارق الأهداف، وأشياء أخرى لا داعي لذكرها…؛ لكن هذه المشاركة أكدت على اكتشاف مواهب مثل مصطفى حجي، الذي أصبح نجما عالميا.

وبعد غياب طويل، تأهل المغرب إلى روسيا 2018 بقيادة المدرب الفرنسي هيرفي رينارد، الذي فاز بكأس أفريقيا مع زامبيا وساحل العاج سابقا، ورينارد ركز على التنظيم الدفاعي واللاعبين المحترفين في أوروبا؛ وفي هذه المجموعة، خسر أمام إيران 0-1 بهدف ذاتي، وأمام البرتغال 0-1، لكنه تعادل مع إسبانيا 2-2 في مباراة درامية، ولم يتأهل؛ لكن الأداء أعاد الثقة إلى الجماهير، معلنا عن جيل جديد من اللاعبين مثل أشرف حكيمي وحكيم زياش.

وفي قطر 2022، وبدعم من جلالة الملك محمد السادس، بلغ المنتخب ذروته تحت قيادة المدرب المغربي وليد الركراكي “صاحب ديرو النية”، الذي تولى المهمة قبل أشهر قليلة فقط؛ متصدرا مجموعته أمام كرواتيا (تعادل 0-0)، بلجيكا (فوز 2-0)، وكندا (فوز 2-1). في الدور الـ16، أطاح بإسبانيا بركلات الترجيح، ثم البرتغال في ربع النهائي 1-0، فيما خسر في نصف النهائي أمام فرنسا 0-2، وفي مباراة المركز الثالث أمام كرواتيا 1-2، محتلا المركز الرابع، وهو أفضل إنجاز لمنتخب أفريقي و عربي في تاريخ الكأس العالمية.

هذا الإنجاز لم يكن مجرد انتصارات؛ بل احتفالا بالوحدة والهوية، ورمزا للوحدة والإيمان بالقدرات والثقة في النفس والمهارات.

وبعد الملحمة القطرية، تحولت آمال الجماهير المغربية والأفريقية والعربية إلى طموح يعانق السماء، حيث في قلب هذه الأحلام، يبرز اسم حكيم زياش، الأسد الذي لا يُنسى، فعموم الجماهير ترى في عودته إلى مستواه مفتاحا لتعزيز المنتخب إلى جانب أشرف حكيمي، نجم باريس سان جيرمان، وهذا حلم يراود الجمهور بالثنائي (حكيمي وزياش) ومعهم كل الأسود لرفع كأس بطولة أفريقيا للأمم 2025 على أرض المغرب، فما قدمه زياش كأسد بمهاراته في صناعة اللعب، تسديداته القوية، وروحه القتالية، لا يمكن أن يذهب سدى؛ بل تجعله ركيزة لا غنى عنها.

إن الجماهير المغربية تتوق إلى رؤية زياش وحكيمي يتألقان معا، ينسجان الإبداع على الملعب ليحققا حلم اللقب الأفريقي، ويمهدا الطريق لمونديال 2026، فهل سيعود زياش ليضيء الملاعب ويرفع الكأس مع حكيمي؟.

إن الجماهير المغربية تتطلع اليوم بالفوز بكأس أفريقيا 2025، وتألقا أكبر في كأس العالم 2026، وذلك على خلفية تأهل الأسود رسميا كأول منتخب أفريقي بعد فوز عريض بـ 5-0 على النيجر في الرباط أمام 70 ألف متفرج، محققا العلامة الكاملة في ست مباريات برصيد 18 نقطة، هذا التأهل المبكر، قبل جولتين من نهاية التصفيات، أشعل حماسا هائلا، مع أهداف من إسماعيل الصايبري (هدفين)، أيوب الكعبي، حمزة إكمان، وعز الدين أوناحي، معلنا عن جيل يجمع بين الشباب والخبرة، مع فوز إضافي 2-0 على زامبيا في الجولة التالية.

كما أن الجماهير الأفريقية، ترى في منتخب الأسود الأطلسية رمزا للقارة السمراء، ومحطما للحواجز الاستعمارية، بانتصاراته على إسبانيا والبرتغال وبلجيكا عام 2022، وتتوقع الآن تمثيلا قاريا أقوى في مونديال أمريكا الشمالية المشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

أما الجماهير العربية، من المشرق إلى المغرب، فتراه فخرا عربيا يجمع بين الهوية الإسلامية والعربية والأفريقية، وسط نقاشات حول أن منتخب “الأسود الأطلسية” بطل يمثل الجميع…

إن رحلة الأسود الأطلسية ليست مجرد كرة قدم؛ بل ملحمة من الصمود والأمل، كتبها مدربون عظماء ولاعبون كبار، وغناها الملايين من الجماهير المغربية.

وهكذا، ستستمر رحلة الأسود الأطلسية إن شاء الله، تكتب ملحمة من الصمود والأمل، ترسم سيمفونية من الإصرار والإنجازات، تدوي في صدور الجماهير من الرباط إلى جوهانسبرغ قاريا، ومن المحيط إلى الخليج عربيا.

وتبقى الأسود رمزا للتحدي والتألق، و”ديما مغرب”.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...