أوجار: يجب الحد من “فرض” وزراء على الحزب

السياق نفسه، إلى إحداث القطيعة مع ظاهرة الإنزالات السياسية التي تستوزر أشخاصا  لا علاقة لهم بالحزب، مشيرا
إلى أن التجمع الوطني للأحرار ليس قاعة انتظار يجلس فيها البعض في انتظار التعيين في منصب حكومي.  وشدد القيادي في حزب الحمامة  على أن عزيز أخنوش ما يزال مناضلا تجمعيا،
رغم استقالته من الحزب، ورغم أنه يشارك في تدبير الشأن العام في الحكومة التي يقودها عبد الإله بنكيران.  واستعرض أوجار الفترة الحرجة التي عاشها الحزب، بعد ظهور تيار معارض
لصلاح الدين مزوار، والعوامل التي فجرت غضب العديد  من التجمعيين تجاه القيادة، والملابسات التي رافقت تراجعه عن الترشح لرئاسة الحزب.  في ما يلي نص الحوار:

أعلنتم في وقت سابق ترشحكم لرئاسة التجمع الوطني للأحرار ثم تراجعتم في ما بعد، ما هي الأسباب؟
صاحبت الإعداد للمؤتمر الوطني للحزب نقاشات عميقة وتجاذبات تعكس التباين القائم بين مكونات الحزب في قراءة تطوره وفي تدبير المرحلة الأخيرة، خاصة السنتين الأخيرتين من تاريخه، وكذا الاختلاف في تقييم أداء القيادة، منذ قيام الحركة التصحيحية.
محصلة كل ذلك أنني اكتشفت حرص مناضلي الحزب على وحدته والمضي قدما بتطوير أدائه وتعزيز مكانته في الساحة السياسية، رغم التباين في الآراء واختلاف المواقع الحزبية.  لقد دافعت الدينامية أو الحساسية التي أشكل طرفا فيها عن أطروحة سياسية متميزة وكنا نعتبر أن الدفاع عتها يستوجب الذهاب إلى أقصى حد ممكن، أي إلى حد تقديم   مرشح ينتمي إلى هذه الدينامية للتنافس على الزعامة الحزبية، للدفاع عن أفكارها ومبادراتها.
كانت هناك محطات نقاش ومبادرات تنظيمية أهمها السعي إلى جمع توقيعات لأعضاء في المجلس الوطني بهدف عقد دورة استثنائية لهذا الجهاز لتدارس هذه القضايا والدفاع عنها.
وقد جرت هذه النقاشات والمخاضات داخل مؤسسات الحزب، إذ كانت هذه الحساسية تضم مجموعة من المناضلين من اللجنة التنفيذية، وأخرى من اللجنة المركزية،  وثالثة من المجلس الوطني.
وبالموازاة مع هذا الحراك، كانت هناك نقاشات مفتوحة بين مناضلي وقيادات الحزب مع صلاح الدين مزوار، وهنا أجدني حريصا على تقديم ملاحظة أساسية، وهي أن الحوار لم ينقطع بين هذا التيار المعارض وبين صلاح الدين مزوار الذي وجدنا لديه استعدادا فكريا لممارسة النقد الذاتي والانخراط في الحوار، مما مكن  من بلورة قناعة مشتركة.
تطور الحوار بشكل إيجابي وتراكمي أسهم في تقليص حماس الأعضاء في استمرارية جمع التوقيعات، خاصة أن الحوار كان بناء وأدى إلى   قناعات مشتركة حول  قضايا شائكة، واعتبرنا من الضروري قبل مناقشة مسألة الزعامة الحزبية وما هو هيكلي، أن نبت في الأمور المرجعية والفلسفية والسياسية والقضايا الفكرية الكبرى،هذا كله إلى جانب دخول حكماء الحزب على  الخط، وهو ما جعل التفكير في مسألة الترشح لرئاسة الحزب أمرا متجاوزا، وفضلنا طرحا توافقيا همه الأساسي الحفاظ على وحدة الحزب وتفادي ما من شأنه أن يهدد تماسكه ويفتح المجال لانشقاقات وتصدعات نحن في غنى عنها. وكان حرصنا هو إيجاد حلول عقلانية للمشاكل التنظيمية في عدد من الأقاليم وتم حل الكثير من الخلافات…

الأمر، إذن، لا يتعلق بـ «صفقة» في ظل الأخبار المتداولة حول وعد القيادة بإسناد رئاسة المجلس الوطني للحزب لكم أو نيابة الرئيس؟
أؤكد بالمطلق أنه لم تُثر مثل هذه المسائل، لا مع صلاح الدين مزوار  ولا مع القيادة بشكل عام، بل بالعكس النقاش على مستوى القيادة كان حضاريا، إذ تركز حول قضايا جوهرية. لم تكن هناك صفقة، التجمع الوطني للأحرار ليس حزب « البيع والشراء»، وهذه فرصة لكي أقول إن هذه الأزمة التنظيمية جعلتنا نشعر أننا حزب كبير. الخلاف كان حول عدد المؤتمرين، وعدد أعضاء المجلس الوطني، إذ كانت رغبة الرئاسة في تقليص العدد إلى 300، لكن رفعناه إلى 800، وكان عدد المؤتمرين محددا في حدود 2400، لكن تم رفعه إلى 3000، ولابد من أن نسجل التنافس الحاد بالأقاليم بين مناضلي الحزب لحضور المؤتمر بصفتهم مؤتمرين، لاقتناع الجميع أن الحزب مقبل على محطة تاريخية وعلى تحول.

لكن هناك من يثير خلافات جوهرية حول الطريقة التي تم بها تدبير شؤون الحزب في السنتين الأخيرتين، ما رأيكم؟
هناك رؤى أو مقاربات مختلفة إزاء قضايا جوهرية نتحمل فيها المسؤولية باعتباري قياديا في الحزب، لذلك نقول إنه يجب أن نمارس على مستوى القيادة النقد الذاتي، كما ينبغي أن نكاشف المناضلات والمناضلين، وأن نُشركهم في بلورة إجابات عقلانية. هناك قضايا ملتهبة. إيماني الراسخ أن التجمع الوطني للأحرار قوة سياسية رئيسية في الحقل السياسي لعبت أدوارا كبرى ومؤهلة للاستمرار في لعب هذه الأدوار. نحن حزب أهله تطوره ومواقفه خلال رئاسة مؤسسه أحمد عصمان، له أن يكون شريكا استراتيجيا في عملية الانتقال الديمقراطي، وتحمل بكل وطنية مسؤوليته. بلادنا تواجه تحديات كبرى، ونحن في طور الانتقال إلى حقبة سياسية حبلى بأسئلة كبيرة. هناك، أولا الربيع العربي، بكل تجلياته السلبية والإيجابية، وهناك الاكتساح القوي  للإسلام السياسي لمجموع الوطن العربي، وهناك عجزنا الجماعي على منح الأمل لشباب المغرب، الذي يعاني البطالة. هناك عجز على إيجاد الآليات والخطط والاستراتيجيات لتأمين اندماج هذه الأجيال الصاعدة في منظومة الإنتاج والاقتصاد.
نعاني مشاكل في تدبير الجوار الجغرافي، خاصة مع الأشقاء في الجزائر وموريتانيا. هناك سؤال الوحدة الترابية في بلادنا، والمراحل المرتبكة التي دخلت فيها تطورات تدبير الملف بشكل يجعلنا اليوم مدعوين إلى بلورة مقاربة جديدة لهذا الموضوع. هناك أيضا كل الأسئلة المتعلقة بتنزيل الدستور. طموحنا هو أن يكون التجمع الوطني للأحرار هو أفق المغاربة في مغرب ما بعد حكومة عبد الإله بنكيران.
طموحنا أن يكون الأحرار هو أفق الشباب والنساء والفلاحين، لأنه كيفما كان الحال، أحمد الله  أن في ذروة الربيع العربي، حكمة جلالة الملك محمد السادس منحت البلاد دستورا بهندسة ديمقراطية، وأن الانتخابات الأولى التي جرت في ظل هذا الدستور فتحت المجال لتناوب جديد أمام المغاربة، مكنهم من التعرف على عائلة سياسية جديدة، هي العدالة والتنمية، تعبير سياسي يستمد كثيرا من أفكاره من المرجعية الدينية. لحسن حظنا أننا نشترك مع العدالة والتنمية في الكثير من المرجعيات، ويجب أن نبتهج كمغاربة بفوزه في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ونتمنى لهذا الفريق النجاح.
إذن نحن مشروع سياسي يعلن جهارا بمناسبة مؤتمر التجمع الوطني للأحرار أننا نتمسك باستقلالية القرار الحزبي والسياسي للتجمع الوطني للأحرار. يجب أن نخرج من مرحلة اعتقد فيها بعض خصوم الحزب أننا ملحقة لجهة ما، ونتلقى التعليمات من لدنها. سيكتشف المغاربة بعد المؤتمر أن الذي يجمع قيادة الحزب ومناضليه هو التمسك النضالي الإرادي باستقلالية القرار الحزبي كما تصنعه وتُبلوره مؤسسات الحزب.

هل ستلتزم القيادة الجديدة للأحرار بتحقيق هذا التطلع؟
أنا مقتنع أن صلاح الدين مزوار من حاملي هذا الفكر، ومن الذين سيكرسون جهودهم  لتثبيته، ولا شك أن مؤسسات الحزب ستكون إلى جانبه وستحصن القرارات الحزبية.
وإلى جانب استقلالية القرار الحزبي، نؤكد أن التجمع سيُحدث القطيعة بعد انعقاد مؤتمره، مع ظاهرة الإنزالات السياسية لاستوزار فلان أو علان من خارج التجمع الوطني للأحرار. التجمع ليس قاعة انتظار يجلس فيها البعض في انتظار التعيين في منصب حكومي. بطبيعة الحال، نفخر أن التجمع يزخر برجالات وكفاءات تستدعيها الدولة أحيانا لمهام ومسؤوليات. نفخر بالمسؤولية التي يتحملها عزيز أخنوش، ضمن الفريق الحكومي الحالي، وأؤكد أنه رغم استقالته الشكلية التي تم الإعلان عنها  في وسائل الإعلام، ما يزال مناضلا تجمعيا.

رغم تقديمه استقالته من الحزب؟  
لم يسبق لأي جهاز داخل الحزب أن قبل استقالته، ونحن علمنا باستقالته عبر وسائل الإعلام. وأؤكد أن أخنوش مباشرة بعد انتهاء مهامه الحكومية لابد أن يعود لموقعه لمواصلة مهامه في الحزب.
لابد بعد مؤتمر الحزب أن نؤكد، مسارنا كحزب وسط ديمقراطي تقدمي، ينحاز إلى صف الفئات الضعيفة، وهذا هو جوهر تموقع الحزب سواء كان في المعارضة، أوفي الحكومة.
سيظل التجمع الوطني للأحرار متشبثا بطابعه التقدمي وانحيازه إلى الضعفاء وتمسكه بهويته الديمقراطية المجتمعية التي تضع الإنسان في جوهر انشغالاتها.
المؤتمر سيشكل فرصة، كذلك، لتوضيح تحالفاتنا السياسية في أفق إخراجها من إطار التمترسات الانتخابوية الظرفية، إلى تحالفات إستراتيجية على أساس برامج وقيم مشتركة، والدفاع  المشترك عن مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي، وحينما نتحدث عن الحداثة لا نضع أنفسنا في مواجهة مشروع آخر لسيادة تفسيرات سطحية تضع الحداثة في معارضة الدين، بالعكس نحن حزب يضع الإسلام في موقع مركزي ضمن هويته، ولكننا نؤكد أن الإسلام الذي ندافع عنه هو الذي عرفه المغرب منذ دهول الإسلام إليه، أي إسلام التسامح والوسطية والاعتدال، الإسلام الذي يستدمج ضمن مرجعياته وضمن إطاره الحضاري السامي الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية. هذا الإسلام هو جوهر مشروعنا وحين نتحدث عن دفاعنا عن مشروع ديمقراطي حداثي، أُلح على أن الحداثة التي نتمسك بها لا تتعارض مع الدين، لاقتناعنا أن أول من صنع الحداثة على هذه الأرض هو الإسلام بسماحته، وانفتاحه، وقد أعطى المغاربة للعالم والمسلمين الدرس بمناسبة المصادقة على مدونة الأسرة، على قدرة الاجتهاد الشرعي على استيعاب الإسلام لكل القيم والحقوق والحريات.
نأمل إذن أن  يظل الدين خارج السجالات السياسية، لإيماننا  الراسخ أن كل المغاربة مسلمون، وبأن الدستور حسم هذا الإشكال بتنصيصه  على أن المغرب دولة إسلامية وأن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام، وأن جلالة الملك هو أمير المؤمنين وهو الحكم في القضايا الخلافية من خلال  هيأة العلماء. وأقول هذا الكلام لكي نحاول أن نخرج من الجدل العقيم الذي يلبس أحيانا لبوسات دينية، ويحاول أن يقدم التجمع الوطني للأحرار كأنه معارض للدين أو خصم للعدالة والتنمية. نحن مع العدالة والتنمية حينما يعمل على التنزيل السليم للدستور، ومعه حين يقود مشاريع إصلاحية لصالح الوطن، ولكن نختلف معه في كل ما يتعارض مع القيم والثوابت  التي يتبناها المغرب.
الديمقراطية تحتاج إلى الحكومة والمعارضة، نحن في بداية انتقال ديمقراطي، الحكومة في بداية عهدها في مجال تدبير الشأن العام، والنوايا الحسنة وحدها لا تكفي، ونأمل أن يتجاوز الفريق الحكومي عثرات البداية، وأن نتعبأ جميعا لإنجاح التنزيل السليم والديمقراطي للدستور، لكي نتمكن من خلال القوانين التنظيمية، من استكمال عملية بناء القطار الدستوري والمؤسسي الذي سيؤهل المغرب لمنافسة ديمقراطية طبيعية وعمل ديمقراطي عاد يتم فيه التداول على الحكومة بشكل سيلم.

المعارضة لا تعني العداء للعدالة والتنمية
أقول هذا من موقع الاختلاف الحزبي والسياسي مع العدالة والتنمية، ولكن هذا الحزب الكبير الذي اختاره المغاربة، يقود اليوم تجربة  سياسية، ويجب أن نعلن موقفنا منه بوضوح وبدون مزايدات.
نحن اخترنا أن نكون في موقع معارضة التي عزز الدستور مكانتها ومنح لها دورا قويا. المعارضة لا تعني رفض الآخر، بل هي قيمة ديمقراطية تتأسس على مرجعية فكرية، تعطي الأمل للمغاربة الذين لن ينجح الأداء الحكومي في إقناعهم. اختيارنا التموقع في المعارضة لا يعني العداء للعدالة والتنمية، ولا يعني أننا نعتزم وضع  العصا في عجلات الحكومة التي يقودها، وليس إعلانا لحرب متوهمة بين جزءين من الشعب المغربي. نسجل المشترك الكبير بيننا وبينهم، في الإيمان بمقدسات البلاد، والاختيار الديمقراطي، وهوية البلاد، ونختلف في تنزيل الكثير من القيم، وهو ما يسمح بوجود عدد من المشاريع السياسية والأفكار  المطروحة أمام المغاربة.

جيل جديد من القيادة
أدعو إلى أن تنتقل قيادة الحزب إلى جيل جديد، جيل النساء والشباب.   يجب  على الطاقات والكفاءات التي يزخر بها الحزب أن تجد لها مكانة في مواقع المسؤولية داخل الحزب. طموحنا اليوم أن ننتقل من حزب الأشخاص إلى حزب المؤسسات. يجب أن نخرج من مرحلة شخصنة الحزب حيث الرئيس هو الذي يقوم بكل شيء ويحدد التوجهات.
لا ينبغي الإقدام على قطيعة نهائية وفجائية مع الأجيال السابقة، لأن الحزب لم يأت من فراغ، وهناك استمرارية. سأكون حزينا إذا لم يحقق المؤتمر نقلة نوعية في هذا المجال، من حيث ولوج جيل جديد من النساء والشباب التجمعيين مراكز المسؤولية والقيادة داخل الحزب.  
النقلة الثانية التي يجب أن نحرص على تحقيقها تتعلق بمرافقة التحول الدستوري، بمعنى أننا سننتقل من حزب مركزي يخضع لوصاية وحكم  القيادة المركزية إلى مؤسسات جهوية، تدبر جهاتها، وتتخذ القرار السياسي والتنظيمي والاقتصادي على مستوى الجهات. التجمع يجب أن يواكب انتقال المغرب من دولة المركز إلى مملكة الجهات.
يجب أن ينتقل الحزب إلى حزب القيادات الجهوية التي تؤمن استقلالية القرار الجهوي، ولا تحتاج إلى المؤسسات الوطنية إلا لبلورة القرار السياسي الوطني والإستراتيجيات الوطنية.

ندعو الحكومة إلى حوار وطني
ندعو الحكومة إلى فتح حوار وطني واسع لبلورة توافقات كبرى حول القضايا وإشكالات وصعوبات التنزيل الديمقراطي للدستور. للحكومة برنامجها الاقتصادي والاجتماعي، ونحن سنساند كل ما  يخدم مصلحة المغرب، ونعارض كل ما نعتبره أنه فعل لا يرقى إلى مستوى التجاوب مع تطلعات المغاربة.
ولكن في الوقت نفسه سندعم كل توجه لتنزيل الدستور، نحن في انتظار المبادرة التشريعية من طرف الحكومة لأجرأة هذا التنزيل. لا يعقل اليوم، ونحن على أبواب الانتخابات الجماعية، أن الحكومة لم تشرع بعد مضي أربعة أشهر من وجودها، في بلورة تصورها حول أجندة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. لا يليق بنا كمغاربة أن نتأخر عن الموعد وعلى الحكومة أن تفتح الحوار الواسع بشأن كل النصوص ذات الصلة بالتنزيل السليم للدستور وبالاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
إن من أوجه قصور عمل الحكومة، تأخرها على هذا المستوى، والذي  يفترض إرادة سياسية واضحة لنخرج من مرحلة الانتقالات الديمقراطية إلى وضع طبيعي يمكن أن يحكم فيه حزب واحد، ويكون التداول السياسي على الحكومة واضحا ومقروءا للمواطنين عوض التركيبات المعقدة التي نضطر إليها بعد كل انتخابات.

أجرى الحوار: جمال بورفيسي

جريدة الصباح


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...