في اعتقال الصحافة ..!!

 حسناء أبو زيد


ماكان لاعتقال صحفي بتهمة مرتبطة بتصوره لأدائه لمهنته إلا أن يوقظ أوجاع الديمقراطيين المُسَكّنَةِ بعقاقير الاصلاحات الدستورية ووعود التفعيل الديمقراطي والتأويل التقدمي للتعاقدات ؛ قد نتفهم أي اختلاف أو جدل حول اعتقال الصحفي علي أنوزلا في واحدة من أحلك نفحات الانتكاسة الدستورية ؛ وقد يجد فقهاء القانون الجنائي مايكفي من القراءات في تبرير أو استنكار الاعتقال من حيث الشكل والمضمون قانونيا وأخلاقيا ؛و قد نغض الفهم عن حجم الشرخ في مواقف وتصريحات بني مهنته من صحفيين ونقابيين ورواد مخاطر حرية التعبير ومسؤولية الكتابة.

وقد نسيل كثيرا من الكلام في تصور الخلفيات والأسباب والربط بين الأحداث وصنع السياقات وظروف النزول ؛ إلا أننا نعجز عن استيعاب منطق انقضاض أحزاب سياسية في المعارضة والأغلبية وبين المنزلتين على النازلة ؛ ونهش لحم مواطن أذعن للقانون واستجاب للمتابعة ؛ ولا يمكن أن نقاوم شحنات الاستفهامات حول أسباب تهاطل اجتماعات المكاتب التنفيذية لمجموعة من الهيئات السياسية وإعلان حالات الطوارئ واستصدار البلاغات الاستعجالية ؛ وشحذ التهم والنعوت ونصب محاكم استثنائية استباقية وفي كل درجات التقاضي ؛ تطبق أعرافاً جانحة على الدستور والقانون وعلى قرينة البراءة ؛ وتزاحم المؤسسات ذات الاختصاص في التحقيق والمساءلة وتنطق استباقيا وباسم اللاقانون بتهم العمالة والخيانة والتحريض والقائمة الطويلة المعتادة في حق برئ لم تثبت بعد إدانته ؛ كما لقنونا في كتب قرينة البراءة ورواية المحاكمة العادلة !

ثَبّتَ السياسيون – مشكورون -قبل القضاة على الأستاذ أنوزلا كل أسباب الاعتقال الموجهة إليه ؛جندوا إطارات شعبية قانونية لينتزعوا كرسي القضاء من أهله وأفرغوا هيئات التحقيق من اختصاصاتها وذوبوا كتب القانون ومقتضيات الدستور في محاليل التخمينات والاستنتاجات وبعض الوشوشات التي يتبلها الغموض ؛ وألجموا تعهدات الإصلاح وضمانات المحاكمة العادلة واحترام قرينة البراءة وأدموا بذلك جبين الوطن بحجر تسييس قضية الصحفي علي أنوزلا ؛ إذ ختمت الأحزاب صك المحاكمة بختم المحاكمة السياسية بعد أن نقلتها من إطارها القانوني إلى ساحة الشأن السياسي ومساطر المداولات والقراءات السياسية ؛ مما يذكي الكثير من التساؤلات حول جاهزية الأحزاب الموروثة للاستيعاب معنى استقلاليتها هي نفسها و لتمثل طبيعة الإصلاح المنتظر ؛ مظاهره وانعكاساته على المجتمع وأولها استقلالية القضاء كدعامة أولى لدولة الحق والقانون فإلى أين ..وكيف ..!!

تبادر إلى ذهني ترافع الأحزاب السياسية في استقلالية القضاء ؛ وطول الأرضيات التنظيرية المرتبطة ببناء العدالة من أجل دولة الحق والقانون ؛ وضجت مسامعي بحدة حناجر المطالب الحزبية والنقابية والجمعوية في استقلالية النيابة العامة وتغيير عنوانها وتتابعت قسمات وزراء العدل الذين تأبطوا دائماً مشاريع اصلاحات مؤجلة منكسرة ؛ لا تكتمل ولا تتبلور ولا تجد إرادة تدب بواسطتها في ردهات بيوت العدالة ومطابخ النيابة العامة؛ فهل كانت نضالات صوتية وحبرية ؛ هل كانت مجرد ديباجات مستقاة من مراجع دسمة في بناء الديمقراطيات ؛ أم كانت أحاديث سمر سياسي غير ملزم ؛ أو مزايدات محتشمة قابلة للسحب والاستفراغ ؛ وصالحة للتأويل حسب الطقس والإملاء وعلى ضوء فصيلة قناعات المتهم ونوعية علاقته بأجزاء من الدولة ودرجة الحرارة في مقالاته وحجم النمطية في تحليله و منسوب الدم الحر في قلمه.

ليس من حقنا ولا من قناعاتنا أن نحاول التأثير على سير العدالة ؛ وليس من مرجعياتنا أن نخلق الاستثناء والاضطرارية والضغط ؛ وليس بناءاًأن نقاوم الخطأ بالخطأ ؛ إلا أن من واجبنا أن نعبر عن خطورة الموقف ؛ وأن نخشى على البنية السياسية المستبطنة لأسباب العجز والتبعية من تداعيات هذا التوظيف الإرادي التطوعي في الضغط على القضاء ؛ وتبديد الرأي العام بواسطة بلاغات خارج الموضوع وتحوير توجهات النيابة العامة التي يُفترض أن تتحدى ماضيها الأسود وحاضرها البني وأفقها المظلم ؛ وأن تنجح مشروع رحيلها عن الجهاز التنفيذي ولكن ليس إلى الاستقرار في البيوت الحزبية وعلى طاولات الحسابات السياسية وفي خدمة جزء من الدولة.

يتشرف عادة الصحفيون بالمتابعات المرتبطة بأداء مهامهم ؛ ويحصون التهم الموجهة إليهم في ممارستها ؛ نياشين على صدر مهنيتهم ؛ ويكتبون بحبر الهجوم عليهم عروشا ثابتة في قلوب قرائهم وفي معاجم نضالاتهم ؛ ويقبضون على الكلمة الحرة جمرا وخوفا وصراعا ؛ إلا أن هذه المتابعة قد تفتح أبوابا أخرى غير التشريف والتوشيح والمؤازرة والتعبيرات الصادقة عن التضامن الذي نقدمه ونعبر عنه ضد المقتضيات السالبة لحرية الصحفيين ومن بينهم الأستاذ أنوزلا ؛قد تغير من سطوة مقاربة التخوين في التجاوب مع الاختلاف في الرصد والتحليل ؛ قد تذعن بعدها مقاومة الاصلاح والتغيير لواقع حرية التعبير وحقوق المواطنة في إطار سمو القانون وفصل السلط وبناء دولة الحق والقانون خارج الورق والحناجر وعبر الصحافة الحرة .


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...