خالوطة جالوطة
رشيد نيني
إذا كانت هناك من عجيبة تجب إضافتها إلى عجائب الدنيا السبع فهي البرلمان المغربي.
فقد جمع في زواياه كل أصناف الغرائب والعجائب والفضائح. ففيه نعثر على البرلمانيين الذين حجزت المحاكم على رواتبهم الشهرية لأسباب مختلفة, وعددهم عشرون برلمانيا, فمنهم من حجزت طليقاتهم على أجرتهم بسبب تهربهم من دفع النفقة لأبنائهم, ومنهم من حجز الدائنون على أجرتهم بسبب رفضهم دفع ما عليهم من ديون, ومنهم من حجزت عليهم مديرية الضرائب بسبب رفضهم دفع ضرائبهم للدولة.
ولا أحد يعرف حقيقة كيف سيدافع هؤلاء النواب “المحترمون” عن حقوق الشعب؟ إذا كانوا هم أنفسهم يهضمون حقوق أبنائهم وطليقاتهم, ولا كيف سيعارضون لجوء الدولة إلى الديون؟ بينما هم يتهربون من دفع ديونهم للناس, ولا كيف سيطالبون الدولة بتطبيق العدالة الضريبية؟ في الوقت الذي يتهربون فيه من دفع الضرائب التي عليهم للدولة.
وليس هذا فقط, فحسب وزير النقل والتجهيز, هناك بلرمانيون يرفضون استقبال لجان افتحاص المقالع التي يملكون لمراقبة مدى احترامها للقانون. أولا كيف حصل هؤلاء البرلمانيون على المقالع؟ وثانيا كيف يسمحون لأنفسهم بخرق القانون والامتناع عن الخضوع له؟ كنا نعرف أن البرلمانيين لديهم حصانة, واليوم أصبحنا نعرف أن مقالعهم أيضا لديها حصانة.
ويبدو أن ممارسة “”التشريع” في البرلمان, خصوصا “تشريع الفم”, أصبحت الرياضة المفضلة لبعض البرلمانيين الذين لا يجدون حرجا في المطالبة بشيء وممارسة نقيضه.
فالمستشار المحترم الذي طالب باحترام القدرة الشرائية للمواطنين مهاجما الزيادة الأخيرة في ثمن “”البيرة”, تحجج بأن هذه الزيادة ستثقل كاهل المستهلكين وستحرم الحكومة من عائدات الاستهلاك الذي سيتراجع بسبب الزيادة.
المستشار المحترم “”هاز الهم” لعائدات الحكومة ونسي أن الهم الوحيد الذي يجب أن يحمله كمستشار ورئيس للفريق الفيدرالي في الغرفة الثانية هو هم صحة المواطنين التي يهددها استهلاك الكحول.
والمصيبة أن المستشار المحترم حكمت عليه, قبل أسابيع, المحكمة ابتدائيا بإخلاء فيلا كان يحتلها بدون حق, منحه إياها فتح الله والعلو عندما كان وزيرا للمالية. ويبدو أن ثقة المستشار في القضاء كبيرة, لذلك فهو ينتظر الإنصاف في الحكم الاستئنافي والبقاء في الفيلا. خصوصا أنه قال لكل من يريد أن يسمع أنه تحدث مع رئيس الحكومة حول الفيلا وأن هذا الأخير قال له إنه مظلوم في هذه القضية.
إذا كان المستشار المحترم قد اختلق هذا الكلام وافترى على رئيس الحكومة, فهذه مصيبة, وإذا كان رئيس الحكومة قد أخبر المستشار فعلا أنه مظلوم في قضية الفيلا التي حكم القضاء ضده بإفراغها ودفع 200 مليون كغرامة بسبب احتلاله لعقار بدون سند قانوني, فالمصيبة أعظم. لأن المفروض في رئيس الحكومة, واحتراما لمبدأ فصل السلط, أن لا يعلق على أحكام القضاء, خصوصا إذا كانت غير نهائية.
فكون المستشار مظلوما أو برئ في قضية الفيلا مسألة متروكة للقضاء, وليس لرئيس الحكومة الحق في التأثير على القضاة بإصداره لمثل هذه التعليقات التي قد يفهم منها بعضهم أنها إشارة إلى أن رئيس الحكومة أنه مقتنع ببراءة المستشار.
وإلى جانب هذا المستشار هناك نائب برلماني آخر صدر في حقه ابتدائيا حكم بالسجن بتهمة الاغتصاب قبل أن يحصل على البراءة في الاستئناف, وتشبت بإنكاره للسيدة التي تتهمه, رغم وجود قائمة بعشرات المكالمات المسجلة بينهما, وإنكاره لنسب الابن رغم أن تحاليل مختبر الدرك الملكي أكدت أنه من نسله بنسبة 99,99 في المائة.
وإلى حدود اليوم لدينا في غرفتي البرلمان متهربون من دفع الضرائب للدولة والنفقة للأبناء والمطلقات, والمتهمون في جرائم الاغتصاب, ومحتلو السكن بغير سند قانوني, وأصحاب الشيك بدون رصيد.
وسمعنا داخل قبتي البرلمان من يدافع عن مستهلكي “البيرة” ومن يطالب برفع الحضر القانوني عن زراعة “الكيف”, وغذا نسمع من يدافع عن تقنين الدعارة من أجل ضخ عائداتها بشكل قانوني داخل خزائن المالية. فإذا كانت صناديق المالية تقبل الضرائب المفروضة على التبغ والكحول والقمار, فلماذا سترفضها في حالة الدعارة؟
أليست الخمر أم الخبائث, وآثارها أكثر تدميرا من كل الخبائث الاخرى من دعارة وقمار وتبغ؟
وعلى ذكر التبغ, كيف تسمح الحكومة لموزع ماركة “دانهيل” الحصري, وزير الشباب والرياضة السابق منصف بلخياط, بتوزيع يافطة إشهارية لهذه الماركة في نقط البيع؟ أليس إشهار التبغ ممنوعا بنص قانوني؟
ولو أن العبث داخل غرفتي البرلمان توقف عند هذا الحد لهان الأمر, لكنه تجاوز الحالات الفردية إلى الفرق البرلمانية.
ولعل أغرب فريق برلماني اليوم تحت قبة البرلمان هو فريق الاتحاد الاشتراكي. فقد قرر هذا الفريق قطع صلته بقيادة الحزب بسبب وجود إدريس لشكر على رأس هذه القيادة.
ويبدو لأول وهلة أن سبب هذه القطيعة بين الرفاق الاتحاديين هو الاختلاف حول المبادئ الأساسية التي قام عليها حزب المهدي بنبركة.
لكن النائب المحترم عبد الهادي خيرات, وعضو الفريق الاتحادي, نور الرأي العام حول هذه القضية, وكشف على الهواء في برنامج إذاعي أن سبب الانشقاق المنتظر هو عدم وفاء إدريس لشكر بتعهداته. فقد توافق التياران المتصارعان داخل الاتحاد الاشتراكي على أن يدخل إدريس لشكر مجموعة من الأسماء إلى المكتب السياسي, لكن عندما حانت ساعة التصويت تنصل لشكر من وعده وحذف الأسماء بحجة أن الفيصل سيكون هو صندوق الاقتراع.
بالله عليكم ماذا يمكن أن ينتظر الشعب من برلمانيين ينتمون إلى حزب تقدمي يساري يرفضون ديمقراطية التصويت عبر صناديق الاقتراع ويفضلون اللجوء إلى التوافق. ماذا ترك هؤلاء البرلمانيون للأحزاب التي يسمونها إدارية والذين يعتبرون التصويت بدعة ويحتكمون إلى التعيينات والتوافقات؟
نفهم من اعتراف النائب خيرات أن لشكر لو رضخ للاتفاق الذي تم بينه وبين رفاقه الغاضبين في الفريق الاتحادي بالبرلمان وعين أعضاء منهم في المكتب السياسي, لما هدد هؤلاء النواب بشق الحزب ولما وصفوه بالكائن الممسوخ.
يعني أن المسألة في أصلها مسألة مقاعد ومواقع, وليست مسألة مبادئ وقناعات. والأكثر غرابة في هذا المشهد السريالي أن نواب الفريق الاتحادي هددوا قيادتهم الحزبية بممارسة معارضة نقدية للحكومة.
عندما يصل فريق برلماني إلى مستوى الاختلاف الايديولوجي مع قيادته الحزبية, فإن أبسط شيء يقوم به هو تقديم استقالته من هذا الحزب وتأسيس حزب جديد. وعندما يصوت المواطنون على مرشحين للبرلمان ويفشل هؤلاء في الوصول إلى الحكم فإنهم يمارسون المعارضة بالضرورة في البرلمان. وكل من يقول إنه خلق للمعارضة فهو كذاب, لأن كل من يمارس السياسة يطمح للوصول إلى الحكم.
ولذلك فإذا أراد برلمانيو الفريق الاتحادي أن يمارسوا شيئا آخر غير المعارضة من أجل الوصول إلى الحكم, فعليهم أن يستشيروا الناس الذين صوتوا لصالحهم, لا أن يتصرفوا كما لو أنهم يمثلون أنفسهم. لأن في ذلك احتقارا لكل الذين وضعوا فيهم ثقتهم وسلموهم أصواتهم.
إننا في الحقيقة نعيش أحلك الفترات السياسية في البلد وأكثرها التباسا. فقد وصلت الأمور إلى حد أصبح معه من الصعب التمييز بين الشيوعي والإسلامي والاشتراكي واليميني والسلفي. الجميع أصبح يتحالف مع الجميع. ومن يتذكر اليوم الذي رفع فيه أبناء حركة التوحيد والإصلاح, الذين يوجد أغلبهم اليوم في الحكم, أكفهم في سينما “بالاص” بالقنيطرة للدعوة على رفاق علي يعته بالويل والثبور وعظائم الأمور, بعد أن أذاقهم الشيوعيون آنذاك ألوانا من السباب والتهم, يتعجب للمودة والرحمة والسكينة التي أصبحت تجمع رئيس الحكومة بالأمين العام لحزب علي يعته, الذي قضى في حادثة سير أياما قليلة بعد تلك “الفاتحة بالمقلوب” التي رفعها له أتباع الدكتور الخطيب في قاعة تلك السينما.
والعجيب في هذه المودة التي سكنت قلبي بنكيران الإسلامي والحاج نبيل الشيوعي, هو أنها وصلت حدا جعل الحزب الإسلامي يمتنع عن تقديم مرشحين في دوائر سطات ومولاي يعقوب وسيدي قاسم وأزيلال, التي ستعاد فيها الانتخابات الجزئية, وقرر ترك الساحة أمام مرشحي التقدم والاشتراكية مع حشد الدعم والنصرة والتمكين لهم, حتى يحرزوا مقاعدهم وينقذوا فريقهم البرلماني من الانقراض بعد تقلص عدد نوابه إلى 19.
وهذه أول مرة في التاريخ السياسي المغربي يحدث أن يساند حزب ذو مرجعية إسلامية حزبا ذا مرجعية شيوعية. فيبدو ان المصلحة هي ما يحرك الحزبين وليس المبدأ, و”حيثما كانت المصلحة فثمة شرع الله”, كما يقول الأصوليون.
أحزاب تتصارع في ما بينها على المصالح, وأحزاب يتصارع داخلها نوابها مع قيادييها على المصالح, وبرلمانيون ومستشارون يتصارعون مع العدالة للبقاء تحت القبة للحفاظ على مصالحهم. أي مشهد سخيف ورديء هو هذا المشهد الذي يعطيه كل هؤلاء عن السياسية.
وبعد كل هذا يتساءلون لماذا يعاف المغاربة رائحة صناديق الاقتراع.
