الوزاني والعمدة… الثنائي الذي حوّل فاس إلى معجزة لا يراها أحد ويعلنان إنجازات خارقة
الوزاني والعمدة… الثنائي الذي حوّل فاس إلى معجزة لا يراها أحد ويعلنان إنجازات خارقة
حرية بريس
لقاء حزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة فاس كان من الممكن أن يكون لحظة مصارحة، بعيدة عن لغة الإنجازات الافتراضية، وفرصة للغوص في مكامن الخلل التي تنخر المدينة، واقتراح حلول واقعية في إطار “ما لنا وما علينا”. لكن الإخوة في حزب الأحرار بفاس اختاروا عكس ذلك تماماً، واكتفوا بتسويق إنجازات لا يعرفها إلا هم، وكأن المدينة تعيش في عالم موازٍ.
وفي قلب هذا المشهد، جاء تدخل عمدة فاس، السيد البقالي، ليقدم حصيلة تسيير أقرب إلى “النشرة التجميلية” منها إلى قراءة واقعية لمدينة تعيش مشاكل متراكمة. كان من المنطقي أن يقول: نجحنا هنا ولم نوفق هناك، لكن بدلاً من ذلك اكتفى بترديد عبارات من قبيل “فاس مدينة ذكية وقوية” وكأن الواقع ينتظر فقط بعض الأوصاف ليُصلّح نفسه. والحقيقة أن العاصمة العلمية، منذ وصول التحالف المسير الحالي، غارقة في ملفات قضائية ما زالت أطوارها مستمرة. بل إن الوالي السابق معاذ الجامعي اضطر إلى مراسلة رسمية يكشف فيها غياب موظفين من مكاتبهم خلال أوقات العمل. أما ملف “العرضيين” فما زال غارقاً في الضبابية: أسماء غير معلنة، وأجور غير متوصل بها. وأزمة الدور الآيلة للسقوط، خاصة بحي الحسني، معلقة في مكانها. ثم سقوط الميزانية بسبب غياب الأغلبية التي اتهمت العمدة بالانفراد بالقرار. يضاف إلى ذلك أزمة المقابر، الطرقات المتهالكة، الأسواق العشوائية، وشوارع تكشف فضائح البنية التحتية مع أول قطرات مطر.
الإنجاز الوحيد الذي لا خلاف حوله هو أن جماعة فاس دخلت موسوعة “غينيس” في عدد الدورات والاجتماعات… ربما هذا ما قصده السيد العمدة حين تحدث عن “مدن ذكية وقوية”.
أما النائب البرلماني التهامي الوزاني، ممثل فاس الشمالية، فقد ألقى خطاباً حماسياً أعلن فيه بكل ثقة: “حققنا الكثير!” وأضاف أن العمدة عند دخوله الجماعة وجد أن “المسؤولين السابقين باعوا فاس وكيمدّوها للبيع”، وأنه استعاد المدينة و”رجّع النظافة بعد 12 عام من الإهمال”، وأن “فاس اليوم من أحسن المدن في المغرب”، وأن “اللي كيدخل لفاس كيدخل لمدينة أخرى”.
لكن بين هذا الكلام والواقع مسافة ضوئية. فإذا كان السيد الوزاني يتحدث عن النظافة، فليتذكر أن شركتين جديدتين فازتا بصفقة ضخمة بلغت 22.6 مليار سنتيم لمدة 7 سنوات، بعد انتهاء عقد “أوزون” الذي كان بـ10 مليارات فقط، ورغم هذا النفخ المالي الكبير لا تزال فاس تغرق في الأزبال، باستثناء بعض الأحياء الراقية التي ينتمي إليها . جولة قصيرة في الأحياء الشعبية كفيلة بإعطاء السيد النائب صورة أوضح من تلك التي رسمها من على المنصة.
أما القول بأن فاس من “أحسن المدن في المغرب”، فهو تصريح لا يصمد أمام مقارنة بسيطة مع طنجة، الرباط، أكادير، مراكش… كلها مدن تجاوزت فاس في التهيئة والجمالية والتنظيم، بينما العاصمة العلمية ما زالت تبحث عن ذاتها، بل إن جماعات قروية صارت أبهى منها. والأسوأ أن فاس إلى اليوم لا تتوفر على قاعة ثقافية واحدة تعمل، والقاعة الوحيدة ما زالت في ورش الإصلاح منذ سنوات، بينما ملاعب رياضية كبرى تُشيَّد في مدن أخرى في شهور معدودة.
السيد الوزاني، وهو يتحدث عن فاس، بدا وكأنه خارج الزمن، يعيش في مدينة لا نعرفها، أو ربما يصف فاس التي يتمناها، لا فاس التي نراها. بين الخيال الذي يقدمه، والواقع الذي يعيشه المواطن، هوة كبيرة تُشبه الانفصام السياسي الذي تعاني منه المدينة منذ سنوات.
السيد الوزاني كيعيش فـ”فاس الحلم”، والفاسيين كيعيشو فـ”فاس الواقع”.
بين النسختين مسافة ضوئية… مسافة كتسمى: الانفصال التواصلي الحاد.
وإذا بغا السي الوزاني يشوف الحقيقة، غير يدير جولة صغيرة فالأحياء الشعبية…
ولكن بشرط:
بدون كاميرات، وبدون خطاب جاهز، وبدون نظارات الواقع الافتراضي.
