لقاء الأحرار بفاس: حديث عن مدينة أخرى وحسم مؤجل في الجنوب
حرية بريس
مرة أخرى يعود حزب التجمع الوطني للأحرار إلى الواجهة بمدينة فاس، عبر برنامج “نقاش” الذي جمع عدداً كبيراً من قيادات الحزب ومنتخبيه ومناضليه، إلى جانب فعاليات من المجتمع المدني. حضورٌ وازن كان من المفروض أن يشكّل لحظة سياسية صريحة، مكشوفة، بلا لغة الخشب ولا استعراض الإنجازات، خصوصاً وأن الحكومة تعيش سنتها الأخيرة، والمرحلة تحتاج أقصى درجات الوضوح لا المزيد من التجميل السياسي.
لكن المفاجأة أن أغلب التدخلات بدت وكأنها تتحدث عن مدينة لا نعرفها، مدينة لا نسكنها، مدينة بعيدة عن فاس التي يتعايش معها المواطن يومياً بكل تفاصيل التراجع الخطير على مختلف الأصعدة. تدخلات رسمت صورة وردية لمدينة تعيش في عالم آخر، بينما الواقع يصرخ بمشاكل عمرانية، اجتماعية، اقتصادية وأمنية يعرفها الجميع إلا من اختار أن يحدّث الجمهور عن “فاس خيالية” لا علاقة لها بما يجري أمام أعين الساكنة.
وزادت المفارقة وضوحاً حين جاءت بعض التدخلات لتعلن أن “فاس اليوم ليست فاس البارحة”، وكأن هذا الشعار وحده كافٍ لتجميل الحقيقة. نعم، فاس ليست فاس البارحة، لكنها للأسف ليست للأفضل، وبين الواقع والكلام مسافة طويلة لا يقطعها الخطاب السياسي ولا الكلام المعسول. فاس اليوم تعاني، والتصفيق لا يُصلح طرقاتها، والوعود لا تُعيد هيبتها، والبلاغات لا تعالج أعطابها.
وبالمناسبة، كان من الأجدر بحزب الأحرار أن يستغل هذا اللقاء ليصارح ساكنة فاس الجنوبية بشأن سؤال سياسي يزداد ضغطه كل يوم: لمن ستؤول تزكية خوض غمار المنافسة البرلمانية لسنة 2026؟ هل سيواصل الحزب الرهان على البرلماني الحالي خالد العجلي، أم سيمنح الفرصة لزينة شاهيم؟ خطوة بسيطة كانت ستنهي التكهنات وتضع حداً للضبابية، وتمنح المناضلين والناخبين على حد سواء رؤية واضحة قبل الدخول في سنة انتخابية ساخنة. أما من لم يحالفه الحظ، فأرض الله واسعة، والفرص لا تنتهي لمن يريد فعلاً خدمة الوطن.
لقاء “نقاش” كان يمكن أن يكون نقطة ضوء، لكنّه مرّ كما تمر اللقاءات التي لا تريد مواجهة الحقائق. فاس لا تنتظر من يصفق لها، بل من ينهض بها… والكلام الجميل، مهما صُقل، لن يغير الواقع.
يتبع
