النظام الجزائري والشعب: رقصة الخوف المتبادل وشعارات فلسطين الجوفاء
حرية بريس عبد الله حفري/ اخبار عربية
في الجزائر، يبدو أن النظام يعيش في حالة هلع دائم من الشارع، كما لو أن كل مواطن يحمل في جيبه شعار “يتنحاو كاع” جاهز للانفجار.
مساء أول أمس الخميس، 7 غشت الجاري، شهدت الشوارع إنزالا أمنيا كثيفا، مع سدود أمنية و”برجات”، كأنها حصون تحمي قلعة النظام من غضب شعبي متوقع، لماذا كل هذا الخوف؟، لأن النظام يعرف جيدا أن الشعب الجزائري، الذي أشعل “الحراك” في 2019، ليس غافلا، فمجرد هتاف بسيط مثل “فلسطين حرة” قد يتحول إلى “النظام إلى المزبلة”، وهنا تكمن المشكلة، ثم إن النظام لا يخاف من دعم فلسطين بقدر ما يخاف من أن تتحول المظاهرات إلى منصة للمطالبة بالحرية والكرامة داخل الجزائر نفسها، وفي نهاية المطاف، من الأسهل أن يرفع شعار “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” إلى مواجهة طوابير الحليب والسميد.
وعلى الجانب الآخر، الشعب الجزائري ليس بتلك الشجاعة التي يُروج لها في الأناشيد الوطنية وفي شعاراته وكذا في المواقع الاجتماعية، نعم لقد خرج في 2019 بمظاهرات سلمية هزت النظام؛ لكن اليوم، وبعد سنوات من القمع الممنهج، يبدو أن الخوف قد تسلل إلى القلوب، السدود الأمنية، الاعتقالات العشوائية، والمنع المطلق للتظاهر منذ 2001، كل هذا جعلت الشارع الجزائري يفكر مرتين قبل الخروج.
إذا كان النظام يخشى شعارات الشعب، فالشعب بدوره يخشى عصا النظام، إنها رقصة الخوف المتبادل: النظام يُقمع خوفا من الحراك، والشعب يصمت خوفا من القمع، وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن فلسطين مجرد صرخة في واد، لأن الشعب الذي لا يستطيع تحرير نفسه من الطوابير وشوارعه من “البرجات” و…، كيف له أن يحرر القدس؟
“مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، شعار أطلقه هواري بومدين (بوخروبة)، وما زال يتردد كنشيد وطني ثانٍ في الجزائر؛ لكن دعونا نكون صرحاء: هذا الشعار أصبح أجوف من برميل نفط فارغ، والنظام الجزائري يرفعه كراية للتغطية على فشله الداخلي، بينما يمنع أي مظاهرة تضامنية مع فلسطين خوفا من أن تتحول إلى احتجاج ضد طوابير الزيت والدقيق….
في 8 غشت 2025، كان من المتوقع أن تملأ الشوارع مظاهرات دعما لغزة، لكن النزول الأمني الكثيف أجهض أي أمل. بينما النظام يتبجح بدعم فلسطين في المحافل الدولية، يقمع شعبه في الداخل، وهذا تناقض يصعب هضمه، وإذا كنت مع فلسطين، فلماذا تمنع شعبك من التعبير عن هذا الدعم؟ أم أن فلسطين مجرد شعار لامتصاص غضب الشعب وتوجيهه بعيدا عن العاصمة؟.
في المقابل، الجار الغربي المغربي، الذي يبدو أنه يثير حسد النظام الجزائري، يخرج الشعب في مظاهرات حاشدة دعما لغزة، ولا أحد يضع “برجات” ولا إنزال أمني لمنعهم، ففي 25 يوليو 2025، نُظمت 104 تظاهرات في 60 مدينة مغربية دعما لفلسطين، دون خوف من القمع.
والمفارقة، المغرب الذي يتهمه النظام الجزائري بالتطبيع، يسمح لشعبه بالتعبير بحرية، بينما الجزائر، “حاملة لواء فلسطين”، تخنق صوت شعبها، فيما النظام المغربي يبدو أكثر ثقة بنفسه، فهو لا يرى في مظاهرات الشعب تهديدا لوجوده. بينما في الجزائر، أي هتاف قد يُفسر كمؤامرة ضد “الكابرانات”، وربما حان الوقت للجزائر أن تتعلم من جارتها الغربية إذا كانت تريد دعم فلسطين، وتبدأ بتحرير شوارعها قبل فلسطين والقدس.
وحتى في إسرائيل، وعلى الرغم من التوترات السياسية الداخلية، تخرج مسيرات تنظمها مجموعات وجمعيات تطالب بوقف إطلاق النار وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، على الرغم من القيود الأمنية المشددة، وهذه التحركات، وإن كانت صغيرة، تعكس وجود أصوات إسرائيلية تدعو إلى السلام؛ لكنها تواجه معارضة شديدة من الحكومة الإسرائيلية التي تصف هذه الخطوات بـ”مكافأة للإرهاب”.
وفي الولايات المتحدة، تشهد مدن مثل واشنطن ونيويورك مظاهرات حاشدة تنظمها منظمات مثل “طلاب من أجل العدالة في فلسطين”، تطالب بوقف الدعم العسكري لإسرائيل وتدعو إلى الاعتراف بدولة فلسطين.
لذا يبدو أن الشعب الجزائري بحاجة إلى تحرير نفسه، قبل أن يحلم بتحرير فلسطين، فالشعارات الجوفاء لا تملأ البطون ولا تبني دولة، فبدلا من ترديد “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، ربما يحتاج الجزائريون إلى شعار جديد: “مع الجزائر حرة وديمقراطية”، أو ” نتنحاو كاع” نظام وشعب.
فالنظام يحتاج إلى الثقة بشعبه، والشعب يحتاج إلى استعادة شجاعته، وإذا كان النظام يخشى الشارع، فليفتح له المجال بدلا من قمعه. وإذا كان الشعب يخشى النظام، فليتذكر أن الحراك السلمي في 2019 أثبت أن الشوارع ليست ملكا للكابرانات؛ أما فلسطين، فستظل في القلب، لكن دعونا نكن صرحاء: تحرير الجزائر من الخوف المتبادل هو الخطوة الأولى لدعم أي قضية عادلة، سواء في غزة أو في أي مكان آخر.
