برقية ترامب للعاهل المغربي وتداعياتها الإقليمية

حرية بريس عبدالله حفري/ سياسة

في الثاني من غشت الجاري، بعث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برقية تهنئة إلى العاهل المغربي، الملك محمد السادس، حفظه الله بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش؛ لم تكن هذه البرقية مجرد رسالة بروتوكولية؛ بل حملت في طياتها تأكيدا قويا على موقف الولايات المتحدة الداعم للسيادة المغربية على الصحراء الغربية، ودعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب عام 2007 كحل وحيد وواقعي للنزاع.

هذه البرقية، التي جاءت في سياق دبلوماسي مشحون، أثارت ردود فعل متباينة، خاصة من النظام الجزائري الذي يواصل دعمه لجبهة البوليساريو ومعارضته للموقف المغربي.

وتأتي برقية ترامب في لحظة دبلوماسية حساسة، حيث يواصل المغرب تعزيز موقفه الدولي بشأن قضية الصحراء، حيث أنه منذ إعلان ترامب في ديسمبر 2020، عن اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، أصبح الموقف الأمريكي ثابتا، بغض النظر عن تغير الإدارات في واشنطن.

في برقيته الأخيرة، جدد ترامب التأكيد على أن “الولايات المتحدة تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء المغربية، وتدعم المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد لتسوية عادلة ودائمة لهذا النزاع”، هذا الموقف ليس مجرد تأكيد سياسي؛ بل هو إشارة واضحة إلى استمرارية الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة، التي تشمل التعاون في مجالات الأمن، مكافحة الإرهاب، والتجارة، مدعومة باتفاقات أبراهام التي عززت العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين البلدين.

إن تأكيد ترامب على دعم الحكم الذاتي يعزز الموقف المغربي الذي يقوم على مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، حيث يسعى المغرب إلى حل توافقي يضمن الاستقرار والتنمية في المنطقة، وهو موقف يتناقض بشكل صارخ مع الرواية الجزائرية التي تدعم إجراء استفتاء لتقرير المصير، رغم أن الأمم المتحدة تخلت عمليا عن هذا الخيار، كما أشار إليه العاهل المغربي في خطابه بمناسبة عيد العرش.

وتاريخيا، كانت الجزائر من أشد المعارضين للموقف المغربي بشأن الصحراء المغربية، حيث تواصل دعم جبهة البوليساريو وتسعى إلى تقويض الجهود المغربية لتسوية النزاع، والبرقية الأمريكية الأخيرة، التي جددت دعم واشنطن للمغرب، وُصفت في الأوساط المغربية بـ”صفعة قوية” للنظام الجزائري.

الإعلام الرسمي الجزائري، الذي يعتمد أحيانا على الدعاية والتضليل، حاول تصوير دعوة الملك محمد السادس لفتح صفحة جديدة مع الجزائر على أنها تراجع مغربي أو استجابة لضغوط خارجية؛ لكن هذه الرواية انهارت أمام الحقائق الدبلوماسية والميدانية التي تؤكد تصاعد الدعم الدولي للموقف المغربي، بما في ذلك اعتراف دول كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا و… بسيادة المغرب على الصحراء.

إن النظام الجزائري، الذي يعاني من أزمات داخلية وانخفاض في مصداقيته الإقليمية، يلجأ إلى استراتيجيات دعائية لصرف الانتباه عن فشله في تقديم حلول بناءة للنزاع، فعلى سبيل المثال، حاولت وسائل إعلام جزائرية الترويج لروايات مفبركة تربط المغرب بصراعات إقليمية أو دولية، مثل محاولات إقحام المؤسسة العسكرية المغربية في الصراع الإسرائيلي-الإيراني، وهي اتهامات وصفت بأنها “بئيسة” وتفتقر إلى المصداقية، هذه الحملات الإعلامية تندرج ضمن محاولات ممنهجة لشيطنة المغرب وإضعاف موقفه الدبلوماسي؛ لكنها لم تنجح في تغيير المعادلة الدولية التي تميل بشكل متزايد لدعم المقترح المغربي.

ورغم القطيعة الدبلوماسية بين المغرب والجزائر منذ 2021، واصل العاهل المغربي، الملك محمد السادس، طرح مبادرة “اليد الممدودة” للحوار مع الجزائر، وهي دعوة تكررت في خطاباته الأخيرة، بما في ذلك خطاب عيد العرش لعام 2025، هذه الدعوة التي وصفتها مجلة “Le Point” الفرنسية بأنها “إشارة دبلوماسية واضحة”، ليست مجرد خطوة رمزية؛ بل تعكس نهجا استراتيجيا مغربيا يقوم على الرصانة والمسؤولية في التعامل مع الأزمات الإقليمية.

الشعب المغربي، الذي يعي جيدا السياق التاريخي والسياسي لهذه المبادرة، يرى فيها تأكيدا على الثقة في الموقف الوطني، وليس استسلاما أو ضعفا كما حاولت الأبواق الجزائرية تصويره.

وفي كل مرة يطرح فيها العاهل المغربي هذه المبادرة، كانت تتبعها تطورات دبلوماسية إيجابية للمغرب، مثل زيادة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي أو فتح قنصليات دولية في الأقاليم الجنوبية، وهذا يعزز الاعتقاد لدى الشعب المغربي بأن “اليد الممدودة” ليست مجرد خطاب؛ بل استراتيجية مدروسة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي مع الحفاظ على المصالح الوطنية.

ونوايا النظام الجزائري في قضية الصحراء المغربية تتسم بالتضليل والإصرار على مواقف غير واقعية، فبدلا من الانخراط في حوار بناء مع المغرب، يفضل النظام الجزائري الاستمرار في دعم جبهة البوليساريو، التي فقدت الكثير من مصداقيتها الدولية، خاصة مع تراجع دعم فكرة الاستفتاء التي أصبحت غير قابلة للتطبيق عمليا.

إن النظام الجزائري يحاول تعويض عزلته الدبلوماسية بحملات إعلامية تهدف إلى قلب الحقائق، مثل الادعاء بأن المغرب يواجه ضغوطا دولية أو أن دعوته للحوار نابعة من ضعف. علاوة على ذلك، يعاني النظام الجزائري من أزمات داخلية، بما في ذلك التحديات الاقتصادية والسياسية، مما يدفعه إلى استخدام قضية الصحراء كورقة لصرف الانتباه عن هذه المشاكل.

هذه الاستراتيجية، التي تعتمد على التضليل والدعاية، لم تحقق نجاحا يذكر، حيث تواصل الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، دعم الموقف المغربي، مما يعزز عزلة الجزائر إقليميا ودوليا.

إن برقية الرئيس ترامب إلى العاهل المغربي ليست مجرد تهنئة بمناسبة عيد العرش؛ بل هي تأكيد قوي على الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة، وعلى دعم واشنطن الثابت للسيادة المغربية على الصحراء المغربية. هذه البرقية، إلى جانب اليد الممدودة التي يواصل المغرب طرحها، تظهر التباين الكبير بين النهج المغربي الذي يسعى إلى الاستقرار والحوار، والنهج الجزائري الذي يعتمد على التضليل والتصعيد، ليبقى الموقف الدولي المتزايد دعما للمغرب دليلا على نجاح الدبلوماسية المغربية، وفشل الرواية الجزائرية في تغيير الحقائق على الأرض.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...