ربط القضية الفلسطينية بقضية الصحراء المغربية: دهاء سياسي أم استراتيجية جزائرية؟
عبد الله حفري/ سياسة
تُعد القضية الفلسطينية من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تأثيرا في العالم العربي والإسلامي، حيث تحظى بدعم شعبي وسياسي واسع، في المقابل تُعتبر قضية الصحراء المغربية من القضايا الإقليمية الحساسة التي تثير انقسامات في شمال إفريقيا، خاصة بين المغرب والجزائر.
في السنوات الأخيرة، لوحظ أن النظام الجزائري يحاول ربط هاتين القضيتين في خطاباته السياسية، في محاولة لكسب تأييد دولي وإقليمي، فهل هذا الربط يعكس دهاء سياسيا أم أنه استراتيجية تهدف إلى تعزيز الموقف الجزائري في نزاع الصحراء؟
القضية الفلسطينية هي قضية تحرر وطني تتمحور حول نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتتمتع هذه القضية بإجماع عربي وإسلامي، وتُعتبر رمزا للعدالة والمقاومة.
أما قضية الصحراء المغربية، فهي نزاع إقليمي يتعلق بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، والتي تطالب بها جبهة البوليساريو الانفصالية، بدعم من الجزائر، التي ترى في هذا النزاع وسيلة للضغط على المغرب وتعزيز نفوذها الإقليمي.
والنظام الجزائري يعتمد على استراتيجية ربط القضيتين لتحقيق عدة أهداف:
ـ كسب التأييد الشعبي:
القضية الفلسطينية تتمتع بشعبية كبيرة في العالم العربي والإسلامي، من خلال ربط دعمها لفلسطين بدعمها لجبهة البوليساريو، تسعى الجزائر إلى تصوير قضية الصحراء على أنها قضية تحرر وطني مشابهة، مما يجذب تعاطف الشعوب العربية.
ـ الضغط على المغرب:
من خلال هذا الربط، تحاول الجزائر إحراج المغرب دوليا، خاصة بعد إعادة العلاقات بين المغرب وإسرائيل سنة 2020، حيث استغلت الجزائر هذا السياق لتصوير المغرب على أنه “مناهض” للقضية الفلسطينية؛ بينما تروج لنفسها كمدافع عن القضايا العادلة.
ـ تعزيز النفوذ الإقليمي:
الجزائر تسعى إلى تعبئة الدول الإفريقية وغير المتجانسة لدعم موقفها في قضية الصحراء، مستغلة التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، لتصوير دعم البوليساريو كجزء من نضال عالمي ضد “الاستعمار”.
وعلى الرغم من الدهاء السياسي الذي يبدو في هذه الاستراتيجية، إلا أنها تواجه عدة تحديات:
ـ اختلاف طبيعة القضيتين:
القضية الفلسطينية تتعلق باحتلال أجنبي واضح؛ بينما قضية الصحراء تُعتبر نزاعا إقليميا داخليا بالنسبة للمغرب، مدعوما بقرارات الأمم المتحدة التي تؤيد الحل السياسي تحت السيادة المغربية، هذا الاختلاف يجعل الربط بينهما غير مقنع للكثيرين.
ـ تراجع المصداقية الجزائرية:
دعم الجزائر للبوليساريو يُنظر إليه في كثير من الأوساط كوسيلة للضغط على المغرب وليس كدفاع عن مبدأ، خاصة أن الجزائر تستضيف قيادات البوليساريو وتوفر لهم الدعم المادي والعسكري.
ـ التطورات الدولية:
تزايد الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على الصحراء، خاصة بعد اعتراف الولايات المتحدة ودول أخرى، يُضعف موقف الجزائر ويجعل ربط القضيتين أقل فعالية.
من جهته، المغرب يرفض هذا الربط بشكل قاطع، معتبرا أن قضية الصحراء هي قضية وحدة ترابية ولا يمكن مقارنتها بالقضية الفلسطينية، فالمغرب يؤكد دعمه التاريخي لفلسطين، من خلال لجنة القدس وبيت مال القدس برئاسة الملك محمد السادس، ويعتبر أن محاولات الجزائر هي تضليل سياسي يهدف إلى صرف الانتباه عن دعمها لانفصاليين.
فالمغرب قدم دعما كبيرا ومستمرا للقضية الفلسطينية على مدار عقود، ويُعتبر من الدول العربية القليلة التي حافظت على التزام ثابت بهذه القضية على المستويات السياسية والدبلوماسية والإنسانية، ولجنة القدس وبيت مال القدس نموذجان بارزان لهذا الدعم، حيث يركز بيت مال القدس على دعم القطاعات الحيوية مثل التعليم (توفير منح دراسية وبناء مدارس)، الصحة (دعم المستشفيات والمراكز الطبية)، والإسكان (ترميم المنازل وتوفير السكن للعائلات الفلسطينية)، كما يساهم في الحفاظ على التراث الثقافي والديني في القدس.
هذه المشاريع تساعد الفلسطينيين في القدس على مواجهة التحديات اليومية الناتجة عن الاحتلال الإسرائيلي، مثل محاولات التهجير ومصادرة الأراضي.
وإلى جانب لجنة القدس وبيت مال القدس، قدم المغرب دعما متعدد الأوجه:
ـ دبلوماسيا : يدعم المغرب حل الدولتين ويطالب بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف، وهو موقف ثابت في المحافل الدولية.
ـ إنسانيا: المغرب يرسل مساعدات إنسانية دورية ومتواصلو إلى فلسطين، بما في ذلك المساعدات الطبية والغذائية، خاصة خلال الأزمات مثل الحروب على غزة.
ـ شعبيا: الشعب المغربي يظهر تضامنا كبيرا مع الفلسطينيين من خلال المظاهرات والحملات التضامنية.
فأين النظام الجزائري من كل هذا؟.
إن المغرب ومن خلال لجنة القدس وبيت مال القدس، وغيرهما من المبادرات، يُثبت التزامه العميق بالقضية الفلسطينية، ليس فقط كموقف سياسي؛ بل كجزء من هويته العربية والإسلامية، فمحاولات ربط هذه القضية بقضية الصحراء المغربية تبدو كمناورة سياسية للنظام الجزائري، تهدف إلى كسب التأييد، لكنها تصطدم بالواقع التاريخي والعملي للدور المغربي البارز في دعم الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، يبرز الدعم المغربي لفلسطين في محاولات النظام الجزائري ربط القضية الفلسطينية بقضية الصحراء المغربية، دليلا على التزامه بهذه القضية، مما يُضعف الرواية الجزائرية، لأن المغرب يظهر هذا الدعم والمبادرات لفلسطين على أنهما ليس مجرد خطاب سياسي؛ بل يترجم إلى أفعال ملموسة.
هذا الدعم والمبادرات يجعل من الصعب على الجزائر تصوير المغرب كمناهض للقضية الفلسطينية، خاصة أن المغرب يتمسك بسيادته على الصحراء كجزء من وحدته الترابية، ويرفض أي مقارنة بين قضيته الوطنية والقضية الفلسطينية.
إن ربط القضية الفلسطينية بقضية الصحراء المغربية من قبل النظام الجزائري يعكس محاولة للاستفادة من التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، لتعزيز موقفها في نزاع الصحراء، ومع ذلك فإن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات كبيرة بسبب الاختلافات الجوهرية بين القضيتين والتطورات الدولية التي تميل لصالح المغرب.
وفي النهاية، يبقى هذا الربط مثالا على المناورات السياسية التي تسعى إلى كسب التأييد؛ لكنه قد لا يحقق الأثر المرجو إذا لم يترافق مع مصداقية وإجماع دولي
