كورونا، صفعة غير كافية في وجه البشرية
حرية بريس زكرياء عالم كاتب رأي
لطالما ألحت في خاطري فكرة حول رواية عن فترة من الحروب والتطاحن بين البشر حيث أمعن في تفاصيل تلك الصراعات والدماء حتى أستغرق القارئ فيظن أن ذاك هو موضوع الرواية، وفجأة يظهر تهديد من خارج الأرض يكشر عن أنيابه للبشرية جمعاء، عدو تفوق في الكثير علينا، فينسى الناس كل شيء وتصبح فوهات الدبابات التي كانت تنظر لبعضها ناظرة إلى هدف واحد. ثم يختار العدو عشوائيًا شخصًا يتحدث باسم البشرية، يعزلونه عن بني جنسه، لا يتواصل مع أحد غيره ويتعين عليه التفاوض، فيعلن العدو لنا أنه يفاوض واحدًا من جنسنا على بقائنا أو فنائنا، فإن نجح تنجون وإن أخفق تهلكون، وفي تلك المفاوضة تكون الملحمة الحقيقية.
لم أطوّر في ذهني ماهية هذا التهديد ولكنها فكرة جنينية لروايتي الأولى. أي كاتب عاقل يفصح عن فكرة حول روايته في مقال؟ أنا أفعل هذا، مع أن فكرة التهديد الكوني ليست بالفكرة الجديدة، ولكن الجديد يكون في التفاصيل. أفعل هذا لأنها حينما نبشت مخيلتي لم أجرؤ حتى على تخيل أني سأعيش هذا الحدث في يوم من الأيام.
اليوم يصارع العالم فيروس كورونا، العدو نفسه، بالهم نفسه، بالهدف نفسه، بالخوف نفسه، بالإجراءات الوقائية نفسها، بالإعلانات نفسها على اختلاف الألسن. توقفت الحروب إلاّ قليلاً، حتى الإرهابيون أحجموا عن عملياتهم، وحتى خطابات العنصرية والتفرقة قلّت إلاّ ما كان ممن تشبع بها ضد عرق أو جنسية معينة.
اليوم يتطلع الشرقي والغربي والمسلم والنصراني واليهودي والبوذي والكنفشوسي والربوبي والملحد، كلهم يتطلعون إلى ذلك المبعوث الذي اصطفاه هذا العدو ليمثل البشرية جمعاء، وهو عالم الأحياء والكيمياء البيولوجية والطبيب، ينتظرون ما سوف تسفر عنه مفاوضاته مع العدو وحربه ضده. لا يهتم أحد بدين ولا عرق من يجد الدواء واللقاح، فجميعهم مستعدون لتقبيل رأس ذاك الذي يطلق سراح أسرهم. أدركت البشرية اليوم (أو على الأقل آن لها أن تدرك) أنها وحدة واحدة، خاصة مع العولمة وتقارب المسافات والعادات، أن ما يصيب شعبًا من الشعوب قد يجتاح الشعوب الأخرى.
ومع ذلك، يطل الشر بقرنه وتكشف أنانية البشر عن وجهها القبيح حتى في أحلك الظروف. فتجد هذا يرفع من ثمن البضائع فيثقل كاهل الناس وهو شرّ الناس. وتجد هذه الدولة تسطو في عملية قرصنة علنية على شحنة من الأدوات الطبية المرسلة إلى بلد آخر. وتجد الدولة الأخرى تعلن أنها لن تبيع أي أدوات طبية حتى للدول المحتاجة أمس الحاجة إليها.
فيروس كورونا هو صفعة في وجه البشرية ليتعلموا ويرجعوا وينيبوا، ليتكافلوا ويتوحدوا ضد عدو مشترك، لينبذوا خلافاتهم ويوقفوا معاركهم السخيفة، ليكفوا عن إيذاء كوكبهم الذي هو بيتهم. ولكن يبدو أن هذه الصفعة ليست كافية، وطالما لم تكن كافية، يجب أن ننتظر صفعات أخرى أشد قوة.
