صرخة شغيلة مسحوقة.. من كابوس “سيتي باص” إلى وهم “إيصال” معركة عمال النقل الحضري لا تنتهي
صرخة شغيلة مسحوقة.. من كابوس “سيتي باص” إلى وهم “إيصال” معركة عمال النقل الحضري لا تنتهي
حرية بريس/ عبدالله حفري
في أزقة فاس العريقة، حيث يتدفق النبض اليومي لملايين الساكنة، يقف عمال وعاملات النقل الحضري كرموز للصمود الصامت، هم الذين يحملون على أكتافهم عبء التنقل اليومي لساكنة العاصمة العلمية؛ لكنهم أنفسهم يحملون عبئا أثقل، سنوات من الظلم والإهمال، من التأخيرات في الأجور إلى التعرض للاستغلال المنهجي.
من 2012 إلى 2025، كانت شركة “سيتي باص” التي فوض لها تدبير المرفق العمومي مصدر كابوس حقيقي، ليس للساكنة فقط، بل لشغيلتها أولا.
واليوم، بعد فسخ عقدها في فبراير 2025 بسبب فشلها الذريع في احترام دفتر التحملات، دخلت شركة “إيصال” التابعة لـ”ستيام” (CTM) كبديل، لتُثير خيبة أمل جديدة، كما قال أحد العاملين بمثل شعبي يلخص المأساة: “ما تبدل صاحبك غير بما عر”، هؤلاء العمال المساكين، الذين انتقلوا من معاناة إلى أخرى، لا يستحقون الوعود الفارغة؛ بل يستحقون عدالة حقيقية.
وقد بدأت قصتهم في سنة 2012، عندما فوض لشركة “سيتي باص” تدبير النقل الحضري بفاس، في صفقة اعتبرت مشبوهة في عهد العمدة المثير للجدل، حيث ما زل الكثير متشبتين بفتح تحقيق في هذه الصفقة، وقد وعدت الشركة حينها بتحسين الخدمات وتوفير فرص عمل مستقرة؛ لكن الواقع كان عكس ذلك تماما.
وعلى مدى 13 عاما، تحولت الشركة إلى رمز للفشل: حافلات متهالكة، خطوط غير منتظمة، وتأخيرات تُعيق حياة الساكنة اليومية.
أما الشغيلة، فكانوا الضحايا الأولى: تأخر صرف الأجور لأشهر، نقص في التأمين الصحي، ساعات عمل مفرطة دون تعويض، وتعرض للضغوط النفسية بسبب شكاوى الركاب.
وفي فبراير 2025، أدى تصاعد الاحتجاجات إلى فسخ العقد رسميا من قبل المجلس الجماعي، بعد إثبات عدم احترام الشركة لدفتر التحملات، الذي يُلزمها بضمان حقوق العمال والخدمة العادلة، وكان هذا الفسخ انتصارا جزئيا؛ لكنه لم ينه المعاناة؛ بل أشعل شرارة أمل كاذب.
ومع دخول شركة “إيصال” في شتنبر الجاري، كبديل وهي شركة تابعة لـ”ستيام” (CTM)، شعر العمال بارتياح أولي، معتبرين أن “CTM”، كشركة وطنية عريقة، تمثل لهم ضمانا للاستقرار والحقوق، واتفاقية التدبير الجديدة ستمكن من نشر تدريجي لشبكة الحافلات خلال ستة أشهر القادمة، مع تحسين الخدمات وتحسين ظروف الشغيلة؛ لكن الفرحة لم تدم، حيث في خطوة مفاجئة، استدعت الشركة العمال لتوقيع عقود عمل جديدة دون إنذار سابق أو اطلاع على بنودها، مستعينة بشركة مجهولة لإبرام هذه العقود، هذا النهج أثار غضبا جماعيا، معتبرا تلاعبا بمستقبلهم المهني، وتكرارا للتجارب السيئة السابقة.
وكما عبر أحد العاملين: “الفقيه اللي نتسناو بركته دخل الجامع ببلغته”، مشيرا إلى الخداع الذي واجهوه، و يواجه اليوم العمال عقودا لا يدرون فحواها ومضمونها، لأنها تليت عليهم كما أفاد مصدر لجريدة “حرية بريس” باللغة الفرنسية وغالبية العمال لا يجيدون اللغة الفرنسية، فربما تكون هذه العقود قد تُقلل من رواتبهم، أو تطيل ساعات عملهم، أو تلغي بعض الحقوق الاجتماعية، مما يُهدد بفقدان الثقة في الشركة الكبرى التي كانت رمزا للاحترافية.
وفي بيانها، عبرت نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب فرع فاس، عن تنديدها الشديد لهذا النهج، معتبرة إياه “كابوسا حقيقيا يعكس عدم احترام حقوق الأجراء”.
البيان، يدعو إلى احترام العقود القانونية، ويخاطب الشركة بضرورة “مراجعة ممارساتها والعمل على توفير مناخ يضمن للعمال حقوقهم وكرامتهم، وعدم التلاعب بهم عبر أساليب غير قانونية أو اهترائية”، كما يُحذر العمال ويدعو إلى التفاف حول نقابتهم للمحافظة على حقوقهم والمكتسبات، ويطالب الجهات المعنية بالتدخل لحماية الشغيلة، والضغط لجلسات حوار مسؤولة.
وقد أُعتبر بيان UGTM صرخة جماعية تذكر بأن الشغيلة ليست سلعة؛ بل عماد التنمية.
المستقبل المُهدد: من المعاناة إلى الانهيار.. إلا إذا…
وإذا لم يتم تدخل الجهات المعنية، لضمان عقود عادلة، فإن ما سيعانيه هؤلاء العمال سيكون أشد قسوة مما سبق في عهد شركة سيتي باص، ففي مدينة مثل فاس، حيث يعتمد آلاف الساكنة على هذا النقل، فسيؤدي ذلك إلى فوضى اجتماعية أكبر، مع الاحتجاجات المتكررة والتصعيد.
