اصلاح انظمة التقاعد بين استدامة الصناديق و رفض المساس بالمكتسبات..
عبد الله حفري/ مجتمع
يظل ملف إصلاح نظام التقاعد في المغرب أحد اكبر النقط الشائكة التي تفرض نفسها بقوة على طاولة الحوار الاجتماعي، حيث تتصاعد حدة التوتر بين رؤية الحكومة الهادفة إلى ضمان استدامة الصناديق من خلال إجراءات تقشفية، والموقف الحازم للنقابات التي ترفض أي مساس بمكتسبات العمال والمتقاعدين. هذا التجاذب يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول إمكانية تحقيق معادلة توازنية بين متطلبات الصندوق الوطني للتقاعد وضرورة حماية الحقوق الاجتماعية للطبقة العاملة.
ففي الوقت الذي تصر فيه الحكومة على ضرورة اللجوء الى اجراءات صارمة من اجل الحفاظ على استمرارية هذه الصناديق التي تعاني من عجز وفق ما تصرح به الحكومة، ترفض المركزيات النقابية حملة وتفصيلا هذا الحل وتؤكد على موقف موحد في الدفاع عن المكتسبات، مع اختلاف في التفاصيل. فالاتحاد المغربي للشغل يرفض أي محاولة لربط تحسين الأجور بملف إصلاح التقاعد، معتبرا أن لكل ملف خصوصيته. كما يطالب بتحمل الدولة لمسؤوليتها الكاملة في تمويل الصناديق، مع ضرورة رفع قيمة المعاشات لمواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة. في المقابل، تحمل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل الدولة المسؤولية الكاملة عن أزمة الصناديق، مستندة إلى عوامل مثل التهرب الضريبي وعدم تسديد الدولة لمستحقاتها وعدم شمولية التصريح بالأجراء. وتصر على رفض أي تعديل في سن التقاعد أو نسب الاشتراكات، معتبرة أن الحل الحقيقي يكمن في معالجة البطالة وتوسيع قاعدة المشتركين. أما الاتحاد العام للشغالين بالمغرب فيشدد على ضرورة أن يكون أي إصلاح نتاج حوار شامل وتوافقي، مع محاربة التملص الضريبي وتسوية مديونية الدولة، محذرا من أي تغييرات أحادية في سن التقاعد أو الاشتراكات دون دراسة متأنية لانعكاساتها.
وتؤكد الحكومة على أن صناديق التقاعد تعاني من اختلالات هيكلية عميقة، أبرزها تزايد عدد المتقاعدين مقابل انخفاض عدد المساهمين، نتيجة التحولات الديموغرافية وارتفاع معدلات الشيخوخة. يضاف إلى ذلك تراكم الديون المستحقة على الدولة، ومحدودية التغطية الاجتماعية التي لا تتجاوز 41% من السكان النشيطين، فضلا عن تأثير الاقتصاد غير المهيكل الذي يشكل ما يقارب 34% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه العوامل مجتمعة تزيد من ضغط العجز المالي على الصناديق، مما يهدد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها في المدى المتوسط والبعيد.
في مواجهة هذه التحديات، تطرح عدة سيناريوهات للإصلاح، لكنها تظل محل جدل واسع. فزيادة مساهمات المشغلين والأجراء تواجه رفضا نقابيا قاطعا، باعتبارها تحميلا للعمال تبعات أزمة ليست من صنعهم. كما أن رفع سن التقاعد يثير مخاوف اجتماعية كبيرة، خاصة في ظل ظروف عمل صعبة وانتشار الوظائف الهشة. بديلا عن ذلك، تدعو النقابات إلى حلول تركز على توسيع قاعدة التغطية بضم العاملين في القطاع غير المهيكل، وتحسين تحصيل الاشتراكات من خلال مكافحة التهرب الضريبي، وإلزام الدولة بتسديد ديونها المتأخرة للصناديق.
يبقى السؤال المركزي: هل يمكن تحقيق إصلاح حقيقي دون المساس بالحقوق المكتسبة؟ الإجابة تتطلب جرأة في تبني مقاربة تشاركية شاملة، تعيد النظر في نموذج الحماية الاجتماعية برمته، مع وضع آليات تضمن عدالة توزيع الأعباء بين جميع الأطراف. فالإصلاحات الجزئية أو القرارات الأحادية لن تكون كافية لمعالجة جذور الأزمة، التي تتطلب رؤية استراتيجية تعيد التوازن المالي للصناديق دون التضحية بمكتسبات الطبقة العاملة التي شكلت سنوات من الكفاح النقابي.
