بلقيس الكبسي تمزج الحرب بالحب في “نزوة قابيل”

بلقيس الكبسي تمزج الحرب بالحب في “نزوة قابيل”

بلا أدنى شك إلى أن الحروب تفرض واقعاً مريراً على المجتمعات، كما تستدرج الكتاب إلى حلبتها، ليحاوروها بقلوب مكلومة. “نزوة قابيل”، رواية صادرة عن دار الأمان في الرباط. نسجتها الكاتبة لتحكي الحرب والحب في اليمن. محلقة بأجنحة مخيالها، مكفكفة دموع وطنها. خاطة على أولى أسطر روايتها: “العتمة مشبعة بالهدم، أصوات تئن تحت الأنقاض تنذر بالهلاك، وأخرى تتعالى مغدورة بالعجز، الليل توقف عن الزحف، حين تكوم رمادا، الحسرة في فؤادي تتكدس، وبيتنا أصبح ركاما، وأنا وحيدة أتخبط في ظلمة ليل موحش، كمن فقأت عيناها…”. ذلك الاستشهاد اجتزأته مشاركاً القارئ أولى مشاهد الرواية، الذي يمكننا من خلاله استنتاج مسار أحداثها، إذ تتشكل الرواية من سلسلة من المشاهد المتعاقبة. قصف ودمار تشرد وضياع، تعري بذلك من يديرون تلك البشاعات ضد شعب مسالم، راصدة الدمار ومعاناة ضحايا الحرب في اليمن. مقابل بشاعة الحرب تنسج الكاتبة بخيوط موهبتها قصة حب بين الشخصية المحورية “توق” الراوية و “يمان” من اختار جبهات القتال ضد أعداء الوطن، قصة جميلة مثلت الأمل بذلك التوق والعشق المتصاعد أمام حكاية الحرب وقبحها، لتأكد أن الأنسان أيا كانت ظروفه التي يعيشها لا غنى له عن الحب والأمل بالسلام والأمان، حتى وإن كان في مرجل الحرب، فإنه يحلم ويحلم بحياة سوية، يسودها الحب والسعادة. قصة الحب تلك تنامت أحداثها وتطورت بالتوازي لأحداث الحرب المدمرة. وكأنها تؤكد ثنائية مكونات الوجود، حب وحرب، حياة وموت، ظلام ونور، إله وشيطان… “توق” فقدت أفراد أسرتها، ولذلك ظل نواحها يتعالى، يوازيه بوحها بعاطفتها لحبيبها “يمان”، الذي يكتب إليها من مواقع الدفاع عن الوطن صفحات العشق والهيام، لتحتل تلك الرسائل عشرات الصفحات، بعاطفة وشوق ملتهب. مؤكدة على أن الأنسان يتغلب على الحرب بالحب، وعلى القبح بالجمال، وعلى التشرد بخلق إحساس داخلي بالأمان. يأتي الوصف ليؤثث جنبات هذه الرواية، بلغة سلسة، ليقرب القارئ من دموية وفظاعة الحرب، بصور ومشاهد تخللتها تفاصيل صغيرة، ليشاركها القارئ تلك الأحداث وتطوراتها، من قتل وتدمير وتشريد مجتمع، إلى تنامي تلك العاطفة بين (توق ويمان) وسط ذلك الخراب الكبير.

وعودة للبدء، من عنوان الرواية (نزوة قابيل) تلك التي تدفع بالقارئ إلى استدعاء أو جريمة قتل في التاريخ، قتل الأخ لأخيه وما تحمله من معان، وما أعقبته من تأثيرات حتى يومنا هذا على مسيرة البشرية، إلى لوحة الغلاف الذي غلب عليها اللونين الأحمر والأسود الموشى بصفرة الموت، إلى الإهداء كل تلك العتبات تدفع بالقارئ إلى دخول متن وكأنه قعر جهنم. إلى تلك الفقرات التي سبقت كل فصل كعتبات لفصول الرواية العشرة، نقتطع إحداها: “حرفان يبنيان القلب وحرف يهدمه، حرفان يترعان القلب، وحرف يقضمه، حرفان مفعمان، بينهما راء مدجج مؤدلج مبرمج، ينحت القلب على مدى هذا الصبر بشامات الوجع”. وهكذا نجد لكل فصل ما يشابه تلك الفقرة، يمكن أن تقرأ كنص مستقل قائم بدلالاته، كما أنها تشير إلى مضمون الفصل الذي يليه. الرواية اتصفت بسلسلة من المشاهد المتعاقبة، بتفاصيل دقيقة، ومشاعر فياضة أختلط الحزن بالأمل والفقد بالعاطفة الجياشة والعشق بالهيام المتواصل، قدمت الكاتبة كل ذلك بطريقة مشوقة من خلال ما تعانيه شخصيات الرواية: توق، تاج، يمان، راجي، ريان، دهمة، رنا، الجادري إلى أخر تلك الشخصيات. فـ”دهمة” مثلت الأم الظالمة التي وازت بتصرفاتها وتسلطها تجاه علاقة يمان وتوق تلك الحرب الشعواء بما تسببه لمن حولها من معاناة. “ريان” وتحوله من شاب رومانسي حالم إلى متطرف، ينهي حياته حزام ناسف فجره وسط جموع سوق مزدحم مخلفا عشرات الضحايا. “تاج”، فاقد لذاكرته نتيجة لغارة جوية، ينجو هو وينتشل من تحت أنقاض. ليتوه ويبتعد عن تلك الأنقاض. “راجي” الزوج الإمعة، الذي لا يمتلك رؤية ولا قرار، تاركا زوجته تعيث بقبح مشاعرها فيمن حولها. “يمان” الحبيب، حامي الأرض العرض، هكذا تصفه الكاتبة على لسان توق الساردة… وهكذا بقية الشخصيات. رسمت الكاتبة أدوارها بفنيات متناهية، لتقدم لنا لوحة سردية في سلسلة من مشاهد المشوقة. ظهر صوت الكاتبة هنا وهناك، متجاوزا للساردة يمان، محبة لوطنها ومجتمعها، كما يبرز جليا في تجريم الحرب وقادتها. كما استدعت مقاطع شعرية، لتأثث صفحات عملها، ما ساعد القارئ على تقريب المعنى، مثل: “ثمة أحزان تشبه الماء تغتسل في مآقي الثكالى برغوة العناء ثمة أحزان تشبه النار تشتعل في أحداق الكادحين بحطب الشقاء….” لكن اللافت هو استمرار نواح “توق” على وطن مستباح، ومجتمع يدفن تحت الأنقاض يوما بعد يوم، اضافة إلى بث لواعج القلب لغياب حبيبها “يمان” بعاطفة جياشة وصدق فني جميل. من خلال ما ذكرنا نستنتج قدرة الكاتبة على امتلاك قدرة هائلة على السرد السلس، اضافة إلى الوصف الدقيق والممتع. هنا نكتفي بحديثنا حول الجوانب الموضوعية، لنختتم بالمرور على الطريقة التي استخدمتها

الكاتبة أو التقنية، إذ عمدت الى استخدام سرد تصاعد الأحداث زمنياً، وهذا ما جعل نسيج الرواية متماسكا. كما استخدمت صوت ثان إضافة إلى صوت الراوية “توق” ممثلاً برسائل يمان الذي عبر عن حبه في رسائل متتالية إلى حبيبته. اضافة إلى بوح توق وجدلها المتواصل مع ذاتها، لتغرق قارئها بلغة شفيفة، وكأنها تريد لهذه الرواية أن تكون ملحمة شعرية في حب الوطن. وذلك ما كسر جمود سرد الصوت الواحد. تحية لساردة وأكاديمية وشاعرة في أولى روايتها التي تشوقنا لننتظر رواية ثانية وثالثة، وقد قرأنها مبدعة متعددة وشاملة في عدة أعمال سابقة، فلها: خمس مجاميع قصصية، وثلاث مجاميع شعرية، وآخر ومضات فن الهايكو. من صنعاء إلى أرض المغرب تحية وسلام. أوضاع الحرب في اليمن تربة خصبة تنتظر من يفلحها، ويخرج منها عشرات الأعمال الرواية، والشعرية والتشكيلية.

محمد الغربي عمران روائي وناقد / اليمن


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...