قيام دولة الجزائر ونكران الجميل

حرية بريس/عبدالله حفري

في مثل هذا اليوم 25 سبتمبر من سنة 1962، أعلن رسميا عن قيام الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، بعد نضال دام ثماني سنوات ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962)، وكان هذا اليوم تتويجا لثورة التحرير الجزائرية، التي ساهمت فيها دول الجوار، خاصة المغرب بقيادة الملك محمد الخامس، بدعم مادي، سياسي، وعسكري كبير، ومع ذلك، سرعان ما تحولت العلاقات بين البلدين إلى توترات، مع اتهامات متبادلة حول الحدود والأراضي، مما يُعتبر عند المغاربة “نكرانا للجميل” من جانب الجزائر.

لقد لعب الملك محمد الخامس رحمة الله عليه دورا محوريا في دعم الثورة الجزائرية، معتبرا إياها جزءً من نضال المغرب العربي ضد الاستعمار، حيث بعد استقلال المغرب في سنة 1956، فتح الملك الحدود للمجاهدين الجزائريين، وجعل الأراضي المغربية قاعدة خلفية للتدريب واللوجستيات، فعلى سبيل المثال، في 15 سبتمبر 1956، ألقى خطابا تاريخيا في مدينة وجدة القريبة من الجزائر، دعا فيه إلى حل سلمي للقضية الجزائرية، مؤكدا على وحدة الشعوب المغاربية، كما استضاف قادة جبهة التحرير الوطني، ورفض عروض فرنسا المغرية لوقف الدعم، بما في ذلك صفقات نفطية ووعود بإعادة الصحراء الشرقية.

وقد شارك المغاربة أنفسهم في هذا الجهاد، حيث انضم العديد منهم إلى جيش التحرير الجزائري، وقدموا تضحيات بشرية ومادية، ووفقا لشهادات تاريخية من جهاديين جزائريين أنفسهم، فقد ساند المغرب الثورة ماديا ومعنويا، مع اعتبار الأراضي المغربية مأوى لللاجئين والقيادة الثورية، هذا الدعم لم يكن مجرد تضامن أخوي؛ بل كان استراتيجيا لتعزيز فكرة المغرب العربي الكبير، الذي كان الملك محمد الخامس يدعو إليه في محافل دولية مثل الأمم المتحدة.

وفي يوم 22 أكتوبر 1956، اختطفت فرنسا طائرة كانت تقل خمسة من قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية (أحمد بن بلة، محمد خيضر، حسين آيت أحمد، مصطفى الأشرف، ومحمد بوضياف)، كانوا في طريقهم من المغرب إلى تونس لحضور مؤتمر مغاربي بقيادة الملك محمد الخامس والرئيس الحبيب بورقيبة، بعد أن قضوا يومين في ضيافة الملك في الرباط؛ هذه الطائرة، التي كانت تابعة لشركة الخطوط الجوية المغربية، أقلعت من مطار الرباط-سلا، وكانت متجهة إلى تونس عندما أجبرها الجيش الفرنسي على الهبوط في الجزائر العاصمة، هذا العمل اعتبره محمد الخامس قدس الله روحه خرقا للسيادة المغربية، حيث وصفه بأنه “طعنة في الشرف”، معبرا عن غضبه في تصريحات لصحيفة “فرانس تيرور”، هذا الحدث عزز التضامن المغربي مع الثورة الجزائرية، حيث اندلعت الاحتجاجات في ربوع المغرب؛ لكن مدينة مكناس أخذت منعطفا أكثر دراماتيكيا، مع العلم أن المدينة هي موطن لأكبر حامية عسكرية فرنسية في البلاد 8000 عسكري، واندلعت أعمال شغب في المدينة وضواحيها حيث فتح بعض رجال الشرطة المغربية النار على زملائهم الفرنسيين، كما تمت مطاردة المدنيين الأوروبيين في الشوارع ، وقلبت السيارات وأُحرقت، وتعرض عدد من ضباط الشرطة الفرنسية في مركز الشرطة الموجود عند مخرج المدينة للقتل وحرق رفاتهم وإلقائها في خزان المياه بالمدينة، وفي اطراف المدينة عرفت مزارع المستوطنين كل أشكال النهب والحرق والتنكيل مما خلف خسائر مادية كبيرة، وكان عدد القتلى في صفوف المدنيين الأوروبيين تقريبا 45 قتيلا و32 بجروح خطيرة، ومن تم أصبحت مدن مثل وجدة وبركان مراكز رئيسية لدعم المجاهدين.

ورغم كل هذا الدعم الكبير، يرى بعض المؤرخين المغاربة أن الجزائر ردت الجميل بنكرانه، خاصة بعد الاستقلال مباشرة، حيث بعد إعلان الجمهورية في 1962، نشبت خلافات حول الحدود، مما أدى إلى “حرب الرمال” في أكتوبر 1963، كانت الأسباب الرئيسية لهذه الحرب النزاع على الصحراء الشرقية المغربية، التي ضمتها فرنسا إلى الجزائر خلال الاستعمار، على الرغم من أنها كانت تاريخيا جزءً لا يتجزء من المغرب قبل الاحتلال الفرنسي. حيث استمرت الحرب أسابيع قليلة، انتهت بوساطة الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية، لكنها خلفت توترات عميقة.

وفي هذا السياق، يُتهم النظام الجزائري بنكران الجميل، حيث رفض إعادة الأراضي المتنازع عليها، مستندا إلى مبدأ “الحدود الموروثة عن الاستعمار”التي قالها أحمد بن بلة، أول رئيس جزائري، في سياق النزاع، موضحا: “إن الصحراء الشرقية هدية من فرنسا للجزائر”، وليست تحريرا، مما يعكس تمسكا بالحدود الاستعمارية، هذا الموقف أثار غضب المغرب، الذي يرى أن هذه الأراضي مسروقة من قبل فرنسا ومنحت للجزائر لتقسيم المنطقة.

وخلال حرب الرمال، شاركت قوات كوبية ومصرية وعدة دول أخرى إلى جانب الجزائر، بينما قدمت فرنسا دعما سريا، مما يشير إلى تدخلات خارجية أعادت رسم التحالفات الإقليمية، هذه الحرب لم تحل النزاع؛ بل أدت إلى إغلاق الحدود لعقود، ولا تزال قضية الصحراء الغربية المغربية مصدر توتر حتى اليوم.

إن “الجزائر” كدولة حديثة لم تكن موجودة إلا في عام 1962، وأن تراثها السياسي والثقافي مستمد بشكل كبير من الإمبراطوريات السابقة، وقبل الاستقلال، كانت الجزائر تحت السيطرة العثمانية من القرن السادس عشر حتى 1830، حيث كانت إيالة عثمانية (دولة الجزائر)، مع تأثيرات قوية في الإدارة والعسكرية من الإمبراطورية العثمانية. ثم جاء الاحتلال الفرنسي في 1830، الذي استمر 132 عاما، حيث أصبحت الجزائر مستعمرة فرنسية كاملة، مع تطبيق القوانين الفرنسية وهجرة المستوطنين الأوروبيين.

وبعد الاستقلال، اعتمدت الجزائر على تراثها العثماني في بناء الدولة، مع تأثيرات فرنسية في الإدارة والقانون، بينما أن بعض التقاليد الثقافية مستمدة من المغرب، مثل الفنون والموسيقى الأندلسية وعدة أشياء من التراث المغربي…

وقبل الإسلام، كانت الجزائر جزءً من الحضارات الفينيقية والرومانية، ثم النوميدية، مما يجعل تاريخها مزيجا من التأثيرات المتعددة، ولم تكن هناك دولة جزائرية مستقلة ذات سيادة كاملة قبل 1962، حيث كانت دائما تحت سيطرة إمبراطوريات أكبر.

ويظل يوم 25 سبتمبر 1962 رمزا للنصر ضد الاستعمار، بالنسبة للجزائريين؛ لكنه أيضا بداية لخلافات إقليمية تسببوا هم فيه؛ أما دعم المغرب للثورة الجزائرية فسيبقى بصمة تاريخية تتذكرها الأجيال، ولهذا ربما يحتاج المغرب العربي إلى حوار جديد لتجاوز إرث الاستعمار وتعزيز الوحدة.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...