غارة الإسرائيلية على الدوحة وسفينة “التضامن”: تصعيد يهز الخليج ويهدد الاستقرار ويثير تساؤلات
غارة الإسرائيلية على الدوحة وسفينة “التضامن”: تصعيد يهز الخليج ويهدد الاستقرار ويثير تساؤلات
حرية بريس/ عبد الله حفري
في تطور دراماتيكي يعكس تعقيد الديناميكيات الإقليمية، نفذت إسرائيل غارة جوية على العاصمة القطرية الدوحة يوم أمس الثلاثاء 9 شتنبر الجاري، مستهدفة قادة سياسيين في حركة حماس كانوا يجتمعون لمناقشة اقتراح أمريكي لوقف إطلاق النار في غزة، وفي الوقت ذاته، تعرضت سفينة “التضامن” (أو “الصمود”) التابعة لأسطول إغاثة غزة العالمي لقصف بدرون في ميناء تونسي، مما أثار جدلا واسعا حول طبيعة هذه الأحداث وتأثيرها على المنطقة.
الغارة الإسرائيلية، التي نفذتها أكثر من 10 طائرات مقاتلة باستخدام أكثر من 10 ذخائر، استهدفت مبنى سكنيا في قلب الدوحة، حيث كان يجتمع قادة حماس مثل خليل الحية وموسى أبو مرزوق وخالد مشعل، أسفرت عن مقتل 6 أشخاص، بما في ذلك أعضاء في حماس ومرافقين، لكن الحركة أكدت أن قادتها الرئيسيين نجوا، ووصفت الضربة بـ”العدوان الإسرائيلي المباشر الذي ينتهك السيادة القطرية”.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف العملية بأنها “مخططة لأشهر”، وهدد باستهداف المزيد إذا لزم الأمر، مشيرا إلى أنها جزء من حملة “ضغط أقصى” على حماس لإطلاق الرهائن في غزة.
ومن المعطيات البارزة، فقد أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة وقطر قبل الضربة مباشرة، وفقا لتقرير في موقع “يسرائيل هيوم” (Israel Hayom)، الذي نقل عن مسؤول إسرائيلي كبير أن الإخطار كان “في اللحظة الأخيرة” لتجنب التصعيد غير المتعمد.
هذا الإخطار أثار شكوكا واسعا بين المحللين والمتابعين، الذين يرون فيه دليلا على أن الغارة قد تكون “تمثيلية” أو “منسقة” للضغط على إيران وحماس دون اندلاع حرب شاملة، فعلى سبيل المثال، تربط بعض المنشورات على X الضربة بـ”لعبة الوساطة” القطرية-الأمريكية، خاصة مع العلاقات الوثيقة بين قطر والولايات المتحدة، التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية كبيرة مثل قاعدة العديد الجوية (أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط)، كما أن قطر أهدت الرئيس دونالد ترامب طائرة بوينغ 747-8 فاخرة في مايو 2025 مقابل صفقات تجارية، مما يعزز النظريات حول “التنسيق” الخفي.
من جهتها، قطر نفت هذه الادعاءات بشدة، ووصفت الإخطار بأنه “كاذب وبلا أساس”، وأكدت أنه جاء “بعد بدء الانفجارات” بـ10 دقائق فقط، كما أن الخارجية القطرية أدانت الضربة كـ”إرهاب دولي وانتهاك للقوانين الدولية”، وأعلنت أنها “تحتفظ بحق الرد”، مع استمرار دورها كوسيط في مفاوضات غزة.
أما الولايات المتحدة، فقد أكدت الإخطار؛ لكنها وصفت الضربة بأنها “غير محظورة لكنها غير مفيدة”، مع تعبير ترامب عن “عدم سعادته” بها، معتبرا إياها “قرار نتنياهو الشخصي” الذي قد يعيق صفقة الرهائن.
وفي سياق متصل، أبلغت منظمة “أسطول الصمود العالمي لإغاثة غزة” (Global Sumud Flotilla) عن ضرب درون على سفينتها الرئيسية “التضامن” في ميناء سيدي بو سعيد التونسي في 9 سبتمبر الجاري، مما أدى إلى حريق وأضرار دون إصابات.
وكانت السفينة جزء من أسطول إغاثي يحمل مساعدات وناشطين لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة، وقد اتهمت المنظمة إسرائيل بالهجوم، مذكرة بحوادث سابقة مثل سفينة “مافي مرمرة” في 2010. ونفت السلطات التونسية وقوع هجوم، ووصفته بـ”حادث فني”، ولم تعلق إسرائيل رسميا.
وحتى صباح اليوم الأربعاء 10 شتنبر، أفادت التقارير بأن قطر بدأت في “البحث في الأنقاض” لتحديد الأضرار الكاملة، مع إدانات متزايدة دوليا.
ويشككون مسؤولون إسرائيليون في نجاح الضربة، حيث أعرب مسؤولون كبار عن معارضتهم لتوقيتها، معتبرين أنها قد تفشل في قتل القادة الرئيسيين، من جهتها أكدت حركة حماس مقتل 5 من أعضائها؛ لكنها هددت برد “قاسٍ”.
وفي غزة، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لأكبر المدن، مما يشير إلى تصعيد محتمل، أما على الصعيد الدولي، فقد بدأ رئيس المفوضية الأوروبية يضغط على الاتحاد لفرض عقوبات على إسرائيل وتقليص التجارة بسبب الحرب في غزة، مع وصف الضربة القطرية بأنها “تضيف تقلبا جديدا للمنطقة غير المستقرة بالفعل”.
أما بالنسبة لسفينة “التضامن”، فقد أفادت المنظمة بهجوم درون ثانٍ في 10 سبتمبر على سفينة أخرى في الأسطول (“ألما”) في المياه التونسية، مع مشاركة فيديو يظهر سقوط جهاز مشتعل؛ لكن بدون إصابات.
وأكدت المنظمة أن جميع الركاب والطاقم آمنون، وأصرت على أن الهجمات “إسرائيلية”، مما يثير مخاوف من تكرار حوادث سابقة، وما زالت السلطات التونسية تنفي؛ لكن الضغط الدولي يتزايد للتحقيق.
وقد تشكل هذه الأحداث خطرا جسيما على منطقة الخليج، التي تعتمد على التوازن الدقيق بين الدبلوماسية والأمن. فأولا، تعطل الغارة لدور قطر كوسيط رئيسي في مفاوضات غزة يهدد بانهيار الصفقات الحالية، خاصة مع الإخطار المسبق الذي يُرى كـ”خيانة” للثقة بين الدوحة وتل أبيب، رغم التنسيق مع واشنطن، وهذا قد يدفع قطر إلى إعادة تقييم علاقاتها مع إسرائيل، مما يؤثر على اتفاقيات التطبيع الخليجية الأوسع، مثل تلك مع الإمارات والسعودية.
ثانيا، الضربة وصفت كرسالة غير مباشرة لطهران للحد من دعمها لحماس؛ لكن إيران أدانتها بشدة ووصفتها بـ”عدوان صهيوني”، مما يزيد من خطر التصعيد العسكري، ومع قواعد أمريكية في قطر والسعودية، قد تؤدي أي رد إيراني إلى حرب إقليمية تستهدف الطاقة والملاحة في الخليج، حيث يمر 20% من نفط العالم عبر مضيق هرمز، وقد يواجه الاقتصاد الخليجي، الذي يعتمد على الاستقرار، ارتفاعا في أسعار النفط واضطرابات في الأسواق، خاصة مع تحذيرات من “تقلبات جديدة” في المنطقة.
ثالثا، الضربة ستؤثر على العلاقات الأمريكية-الخليجية، وستكشف عن فجوات في “الضوء الأخضر” الأمريكي، مما يثير تساؤلات حول موثوقية واشنطن كحليف، خاصة بعد الهدية القطرية لترامب، وهذا قد يدفع دول الخليج إلى تعزيز الاعتماد على الصين أو روسيا، مما يغير التوازن الجيوسياسي.
إن هذه الأحداث ليست مجرد عمليات عسكرية؛ بل إشارة إلى هشاشة السلام الإقليمي. مع استمرار الشكوك حول التصعيد المحتمل، يجب على الدول الخليجية تعزيز الدبلوماسية لتجنب كارثة أكبر.
