الهجرة و اثارها السلبية على الابناء

إن الهجرة غالبا ما تكون تحت ضغط بعض الإكراهات الاجتماعية التي تجعل الفرد يفكر، أو الاسرة تفكر في الهجرة ،و الهجرة هي الانتقال من بلد الى بلد اخر يختلف اختلافا كبيرا عن البلد الاصلي للمهاجرين في كل شيء ،في اللغة و الثقافة ،و العادات ،و التقاليد ،و الدين . سنحاول في هذه السطور ان نسلط الضوء على الاثار السلبية الذي تتركها الهجرة على الأبناء خاصة أبناء المهاجرين في كندا ،قد يتساءل القارئ لماذا وقع الاختيار على كندا دون باقي دول المهجر الاخرى ؟ بكل بساطة لأنني اعيش فوق ترابها، و على اضطلاع بمشاكل مهاجريها .

ان كندا بدأت تشجع الهجرة اليها بعدما عرف اقتصادها نموا و تطورا ،الا ان عدد سكانها القليل كان لا يستجيب و طموحاتها الاقتصادية ، مما حتم على كندا البحث عن اليد العاملة ،و قوة بشرية تحرك بها اقتصادها ، و تعطيه الحيوية و النشاط عن طريق الاستهلاك ، لكن كندا استفادت من أخطاء أوربا في التعمال مع الهجرة ، فبادرت الى إنتقاء المهاجرين باختيار أصحاب الشواهد و الحرف المطلوبة ،و حفزت العائلات على القدوم الى بلدها .هاجر الى ارض كندا خليط من الجنسيات ، منها من إستوطن المناطق التي تتكلم الانجليزية، و منها من استوطن المناطق التي تتكلم الفرنسية ،و بما ان المغرب لغته الثانية الفرنسية ، فقد اختارت جل العائلات المغربية التي هاجرت الى كندا مقاطعة كيبيك ذات اللغة الفرنسية .

أسباب كثيرة و متنوعة دفعت العائلات المغربية الى الهجرة الى كندا، لعل أبرزها الأبناء، فأمام تردي الأوضاع التعليمية في المغرب اذ اصبح المواطن البسيط ذو الراتب الشهري المحدود ملزم بدفع مبلغ مالي للمدرسة الخصوصية التي يتعلم فيها ابناؤه لان التعليم العمومي في المغرب لم يعد كما كان في الستينات و السبعينات يتسم بالجودة ، و رغم التضحيات المالية التي تبذلها العائلات مع أبنائها في جميع مستويات دراستهم الا ان مشوار الابناء الدراسي عندما ينتهي بحصول الابن على الشهادة العليا يجد نفسه عاطلا عن العمل يملأ وقت فراغه بالجلوس في المقاهي او معتصما امام البرلمان يطلب العمل .أمام هذه الصورة المأساوية لحالة الابناء في المغرب ،فان العائلات المغربية عندما تتيح لها فرصة الهجرة فإنها لا تتردد في اتخاذ القرار الذي سينقذ مستقبل ابنائها.

تربية الابناء قبل الهجرة:

مصدر تربية الابناء في المغرب : الاسلام ، و الإسلام يعتمد في تربيته للأطفال على الجمع بين اللين و الضرب غير المبرح، فالرسول صلى الله عليه و سلم يقول عن تعليم الصلاة للأبناء : ( علموا أولادكم الصلاة لسبع و اضربوهم عليها لعشر و فرقوا بينهم في المضاجع ) ،و في ثراثنا الشفوي يقول: (العصا خرجت من الجنة ).إذن الضرب قاعدة للتربية عند اغلب الاسر المغربية ، لهذا نجد المدرسة تنتشر فيها ظاهرة الضرب للأطفال و خاصة المدرسة العمومية ، و تربية الاطفال مصدرهما : الاسرة ،و المدرسة ،و ليس بين الاثنين اي قطيعة بل كل واحد يكمل الاخر ، فالمدرسة امتداد لتربية الاسرة ،لأنها تعتمد بدورها على الاسلام في تربية الأبناء ،و ليس هناك جهات اخرى، كالدولة أو المجتمع المدني تتدخل في تربية الأبناء سوى ما ذكرنا .

حالة الأبناء بعد الهجرة:

عندما تقرر الاسرة الهجرة الى كندا ،و تحصل على أوراق الاقامة ،و تشرع في ترتيب حقائبها لتغادر أرض الوطن، تكون الاسرة قد تناها الى علمها ان كندا تمنع منعا قاطعا ضرب الاطفال ، فتبدأ الاسرة تمرن نفسها على عدم ضرب أبنائها مهما فعلوا ، فالأم لا تقوى على فعل أي شيء امام شيطنة الابن، الا ان تقول : ( و الله اولديك كن ما كناش غادين لكندا لعطيتك قتلة العصا ) .عندما تصل الاسرة الى كندا ،و تستقر مدة طويلة من الزمن تلاحظ تغييرا كبيرا قد طرأ على الأبناء ،و هذا التغيير نرصده في الحالتين التاليتين.

هروب الدارجة نطقا ،و اللغة العربية قراءة و كتابة :

أول ما يتم التخلي عنه بالنسبة للطفل: اللغة الدارجة و هذا امر طبيعي لان اللغة الفرنسية تصبح لغة التعامل المعتمدة في كل مكان ،مما ينتج عنه بعد مرور الوقت صعوبة لدى الاطفال التكلم بالدارجة ،و جهل مطبق باللغة العربية ،و هذا راجع الى اللغة الفرنسية التي حلت محل الدارجة نطقا و حلت محل اللغة العربية كتابة ،و بالتالي تصبح اللغة الفرنسية اللغة الأم ، و المفضلة التي عن طريقها يتم الحوار حتى داخل المنزل ،الا ان هناك بعض العائلات تحارب اللغة الاجنبية داخل المنزل ،و تجبر الاطفال ،و تلزمهم باستعمال الدارجة ،كلغة حوار داخل المنزل، و هي عائلات تريد ان تحافظ على موروثها الثقافي لبلدها الاصلي ،و ترى ان هذا لن يتحقق الا بالمحافظة على اللغة العربية كتابة و قراءة ،لهذا تسعى هذه العائلات الى البحث عن المدارس التي تعطي دروسا في اللغة العربية ،و عن كل الوسائل التي من أجلها ان تحقق الحد الادنى لأطفالها في تعلم اللغة العربية و المحافظة عليها ، و هناك بعض العائلات التي تريد ان تحقق الاندماج الكامل مع الدولة التي هاجرت اليها ،فتسمح لأطفالها استعمال اللغة الفرنسية داخل المنزل ،و نادرا ما يتكلم الاب و الام باللغة الدارجة الا اذا تواصلا عبر الهاتف مع أقاربهما في المغرب.

هروب مبدأ الاحترام و التقدير للوالدين:

ان الاحترام الذي كان ينعم به الوالدين في المغرب من طرف أبنائهم يبقى ذكرى ،و بقايا صور من الصعب ان يتحقق مرة ثانية في بلاد المهجر الذي يعطي للأبناء عبر المدارس تربية أخرى بعيدة كل البعد عن التربية التي تلقوها و ألفوها في المغرب ، فالتربية الكندية تربية تنبني على قاعدة الحرية ، لي الحق ، ليس لك الحق . الاباء الذين جاءوا بأبنائهم الى كندا من أجل مستقبل واعد يكتشفون ان الأبناء بتغيرون شيئا فشيئا في تربيتهم، اذ يصبح الابن لا يتبع تعاليم والديه بل يتبع تعاليم المدرسة الكندية ، فترى الطفل يعلن تمرده على تربية الوالدين لأنه يعتقد ان تربيتهم قديمة لا تساير الحداثة و العصر ، تربية أكل الظهر عليها ، و شبع ، فيتحلى الابن بالتربية التي اكتسبها من المدرسة الكندية، فيتصرف كما يحلو له ،و إذا ما أراد الاب ان يقوم إعوجاج ابنه ، فان هذا الاخير يقول له بملء فمه : (هذا حقي ،و هذه حياتي أحياها كما أريد و أشاء ) .

أمام هذا الوضع المتردي لأخلاق الأبناء ،لا يجد الاباء حلا سوى الرجوع الى المغرب ،و الرجوع الى المغرب يقتضي أن يكون الأطفال في سن صغير لا يتجاوز العشر سنوات حتى يتمكنوا من الاندماج بسهولة في المنظومة التعليمية المغربية ، أما اذا كان الأبناء في سن متقدم اي في سن المراهقة ، فان قرار العودة الى المغرب يكون قرارا توافقيا بين الاباء و الأبناء ، و بالتالي تبقى العودة الى المغرب امرا شاقا ،و غالبا ما يرفض الابناء الذين في سن المراهقة الرجوع الى المغرب رفضا باثا باعتبار ان المغرب يعرفونه في الخريطة فقط ، اما بلدهم الاصلي هو كندا، فيرضخ الاباء لرغبة الابناء، و يعدلون عن فكرة الرجوع الى المغرب الذي لا يزورونه الا نادرا مصحوبين بأبناء مادتهم الاولية مغربية ،لكن الصنع كندي . متاعب الآباء مع الأبناء لا تنتهي ، فعندما كانت العائلة في المغرب كان شغلها الشاغل البحث عن مستقبل الابناء المادي ،و عندما تهاجر العائلة الى كندا يصبح شغلها الشاغل البحث عن مستقبل الأبناء الأخلاقي.

عبد المولى دليل


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...