البقالي يقاتل وحده داخل مجلس فاس.. والأغلبية لا تفتح أفواهها إلا عند طبيب الأسنان
حرية بريس
يتساءل كثير من المتتبعين للشأن المحلي بمدينة فاس عن السبب الذي يجعل دورات مجلس جماعة فاس تتحول في كل مرة إلى مشهد عنوانه الصدام بين الأغلبية والمعارضة، غير أن من يتابع تفاصيل الجلسات يدرك أن الحقيقة مختلفة، فعبد السلام البقالي عمدة فاس لا يواجه المعارضة فقط، بل يجد نفسه في مواجهة صمت أغلبية يفترض أنها أول من يدافع عن حصيلة المكتب المسير. ففي كل دورة تقريبا يتولى رئيس الجماعة الرد على مختلف المداخلات والانتقادات، بينما يكتفي عدد كبير من أعضاء الأغلبية ونوابه بالحضور الصامت، وكأن دورهم يقتصر على تحريك الرؤوس يمينا ويسارا ومتابعة أطوار النقاش دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الدفاع عن مشاريع المجلس أو توضيح مواقفه للرأي العام، حتى أصبح يقال إنهم لا يفتحون أفواههم إلا عند طبيب الأسنان.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض أعضاء الأغلبية ينسحبون من الجلسات تباعا مع تقدم أشغال الدورة، رغم أن مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية تفرض عليهم مواكبة جميع النقط المدرجة في جدول الأعمال إلى نهايتها، مع التأكيد أن هناك استثناءات تحرص على الحضور والتفاعل، غير أن الاستثناء لا يقاس عليه. وهكذا يجد عبد السلام البقالي نفسه في مواجهة معارضة تتقن الاشتغال داخل الدورات وتستثمر كل نقطة لإحراج المكتب المسير، في وقت تغيب فيه الأغلبية عن أداء دورها الحقيقي.
ورغم هذا الوضع، أبان رئيس جماعة فاس عن نفس سياسي طويل وقدرة كبيرة على إدارة النقاش وتحمل ضغط الجلسات، فلم يختبئ يوما خلف نوابه ولم يبحث عمن يتولى الرد مكانه، بل ظل يواجه الانتقادات بنفسه ويدافع عن اختيارات المجلس بكل هدوء وثقة، وهو ما جعل الكثيرين يعتبرون أن الرجل يخوض معركة سياسية بمفرده داخل قاعة المجلس.
ويحسب لعبد السلام البقالي أيضا أنه منذ توليه المسؤولية لم يتردد في اتخاذ مواقف حازمة دفاعا عن مصالح المدينة، ويكفي التذكير بملف النقل الحضري عندما رفض استمرار الحافلات التي كانت لا تليق بمدينة عريقة بحجم فاس، وظل متمسكا بضرورة توفير أسطول جديد يحترم كرامة المواطنين وصورة العاصمة العلمية، إلى أن تحقق ذلك وأصبحت المدينة تتوفر على حافلات جديدة بعد سنوات من المعاناة.
كما دأبت البعض في أكثر من مناسبة على التقليل من دور الجماعة في المشاريع الكبرى التي تعرفها فاس، معتبرة أن إنجازها يعود فقط إلى الشركات الجهوية، متناسية أن جزءا مهما من تمويل هذه المشاريع مصدره ميزانية الجماعة، وأن المجلس يبقى شريكا أساسيا في اتخاذ القرار وتعبئة الاعتمادات المالية وتتبع التنفيذ، وهو ما يجعل اختزال دوره في مجرد متفرج أمرا يجانب الواقع.
ومن بين المواقف التي تحسب للرئيس أيضا أنه حين اقتنع خلال إحدى الدورات بأن المعارضة كانت على صواب في إحدى النقط، لم يدفعه العناد أو الحسابات السياسية إلى التشبث بموقفه، بل راجع قناعته وصوت وفق ما انتهى إليه النقاش بعدما اتضحت له الصورة، في سلوك يعكس أن السياسة ليست مجرد انتصار للرأي، بل هي أيضا قدرة على الاعتراف بوجاهة موقف الطرف الآخر عندما تكون الحجة إلى جانبه.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان عبد السلام البقالي يحتاج إلى معارضة لاترى الا اللون الاسود أم إلى أغلبية أكثر حضورا وجرأة في تحمل مسؤوليتها السياسية. فالأغلبية لا تقاس بعدد المقاعد داخل المجلس، وإنما بقدرتها على الدفاع عن حصيلتها والانخراط في النقاش وتحمل مسؤولية القرارات التي صوتت عليها. أما حين تكتفي بالصمت والانسحاب وترك رئيسها وحيدا في الميدان، فإنها تتحول من سند سياسي إلى عبء يضاعف من صعوبة المهمة، ليبقى عمدة فاس في كل دورة يخوض المواجهة وحده أمام معارضة لأنه يدرك تماما ماحك جلدك إلا ظفرك …
