مصلحة الثقافة بجماعة فاس بين التسيير والصفقات: دعوات لتدخل والي جهة فاس مكناس خالد آيت الطالب

حرية بريس

في الوقت الذي تشهد فيه المدن المغربية سباقاً متزايداً نحو تطوير البنية الثقافية وإعادة الاعتبار للمرافق الفنية والتراثية، تعيش مدينة فاس بموروثها الحضاري العريق وتاريخها الممتد لقرون، مرحلة تتطلب الكثير من الدقة والصرامة في تدبير الشأن الثقافي المحلي. فمصلحة الثقافة بجماعة فاس تعتبر إحدى الركائز الأساسية التي تبنى عليها صورة المدينة أمام زوارها، وتستند عليها مجموعة من البرامج والمبادرات الرامية إلى تطوير الحياة الثقافية، لكن المتتبعين للشأن المحلي يتساءلون اليوم عن مدى وضوح المعطيات المرتبطة بطريقة تدبير هذه المصلحة، وخاصة فيما يتعلق بالصفقات التي تمت في السنوات الأخيرة، وما رافقها من نقاش واسع داخل الأوساط المدنية والإعلامية.

فالصفقات المتعلقة بالثقافة، سواء تلك الخاصة بالتنشيط الثقافي أو تنظيم التظاهرات أو اقتناء الخدمات ذات البعد الفني، تعتبر في الأصل وسيلة للنهوض بالإنتاج الثقافي وتوفير شروط التعبير الإبداعي داخل مدينة غنية بتراثها الرمزي. غير أن عدة أصوات محلية أصبحت تطالب بضرورة الوقوف على تفاصيل هذه العمليات، ليس بهدف الاتهام أو خلق صدامات، بل من منطلق الحوكمة الجيدة والحق في المعلومة، ومن أجل التأكد من أن الأموال العمومية تُصرف وفقاً للمساطر المعمول بها وبما يخدم المصلحة العامة.

وتشير مصادر من المجتمع المدني إلى أن عدداً من الفعاليات الثقافية بفاس لم تتمكن من فهم بعض الاختيارات التي تم اعتمادها خلال إبرام عدد من الصفقات داخل المصلحة، حيث تغيب في بعض الأحيان المعلومات التفصيلية التي تسمح بتقييم مردودية هذه المشاريع على المشهد الثقافي. ومع ذلك، فإن ما يطالب به الفاعلون ليس البحث عن مواطن الخلل بقدر ما هو البحث عن الوضوح والشفافية التي تمنح الثقة للمواطنين، وتعيد لهذا القطاع حساسيته ووزنه داخل المدينة.

في هذا السياق، برزت دعوات تطالب بضرورة أن يولي والي جهة فاس مكناس، السيد خالد آيت الطالب، اهتماماً مباشراً بما يجري داخل مصلحة الثقافة، وأن يعمل على فحص شامل وهادئ لكل الملفات المرتبطة بها. ويأتي هذا الطلب انطلاقاً من الدور المؤسساتي الذي يمارسه الوالي باعتباره ممثل السلطة المركزية، والقادر على توفير نظرة محايدة ومسؤولة تساعد على ضبط الإيقاع داخل المصالح الجماعية وتوحيد معايير الحكامة في التدبير.

السيد خالد آيت الطالب، الذي راكم تجربة مهمة في تدبير الشأن العام الوطني، يُنظر إليه اليوم من طرف العديد من المتابعين كشخص قادر على إحداث نقلة نوعية في مسار تقييم البرامج الثقافية بفاس، خاصة وأن المدينة تحتاج إلى رؤية قوية تعيد الهيكلة وتفتح المجال لمبادرات أكثر مهنية وتنظيماً. فالفحص الذي يدعو إليه الكثيرون لا يهدف إلى التشكيك في الجهود المبذولة، بل يرمي إلى دعمها عبر مراجعة شاملة تضمن سلامة سير المصالح العمومية واستدامة المشاريع التي تُموَّل من الميزانيات المحلية.

ومع توسع النشاط الثقافي داخل المدينة، وارتفاع الطلب على الفعاليات المختلفة، أصبح من الضروري التأكد من أن الصفقات الثقافية تعتمد على معايير موضوعية وواضحة، وأن الشركاء الذين يتم اختيارهم قادرون على تقديم قيمة حقيقية للمدينة. ففاس لا تحتاج فقط إلى نشاط ثقافي موسمي، بل إلى صناعة ثقافية متكاملة تتطلب حسن اختيار المشاريع، والتأكد من قدرة كل طرف على الالتزام بما تفرضه الجودة والفعالية والنتائج القابلة للقياس.

إن الدعوة إلى تدخل والي الجهة ليست تدخلاً فوقياً، بقدر ما هي رغبة جماعية في تقوية الحكامة وربط المسؤولية بالمراقبة، في ظل قناعة تامة بأن الثقافة هي أحد مفاتيح التنمية. ولذلك، فإن فحص الملفات داخل المصلحة قد يشكل خطوة إيجابية نحو إعادة ترتيب الأولويات وضمان انسجام رؤية المدينة مع ما تتطلع إليه الساكنة من تحديث وإبداع وشفافية.

وإذا كان القطاع الثقافي بفاس يزخر بكفاءات عديدة وبموارد بشرية قادرة على العطاء، فإن المرحلة تستدعي إرساء أسلوب تدبير يواكب تطلعات المدينة ويستجيب لمنتظرات الفاعلين الثقافيين. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدقيق كل العمليات والصفقات، وإعادة تقييمها بما يضمن أن المسار يسير في الاتجاه الصحيح، وأن المال العمومي يُصرف في مكانه المناسب وبالشكل الذي ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين.

إن فحص مصلحة الثقافة من طرف السيد الوالي خالد آيت الطالب ليس مجرد مطلب ظرفي، بل هو خطوة لها رمزية قوية في مسار تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتأكيد أن فاس تستحق إدارة ثقافية بحجم تاريخها، وبمستوى يليق بمدينة كانت ولا تزال قبلة العلماء والفنانين والباحثين عبر العصور.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...