لماذا يقبع بوعلام صنصال خلف القضبان بينما ينعم ابن قرينة وسعيود بالحرية؟
لماذا يقبع بوعلام صنصال خلف القضبان بينما ينعم ابن قرينة وسعيود بالحرية؟
حرية بريس/ عبدالله حفري
في الجزائر، حيث السياسة فن التلاعب بالكلمات والقمع الانتقائي، تبرز قضية اعتقال الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال كمثال صارخ على “عدالة” النظام التي توزن بميزان الولاء، ففي الوقت الذي يقضي فيه صنصال أيامه في زنزانة بتهمة “المساس بالوحدة الترابية”، وذلك بسبب تصريح تاريخي عن الحدود، يتجول فيه عبد القادر بن قرينة وسعيد سعيود بحرية، رغم تصريحاتهما المثيرة للجدل حول تندوف، التي قد تُفسر كإيحاء بتحويلها إلى “دولة” للبوليساريو، فما سر هذا التناقض؟، هل هو حب النظام للكوميديا السياسية، أم مجرد لعبة “الأصدقاء يمرون والأعداء يُسجنون”؟.
في نوفمبر 2024، عاد بوعلام صنصال، الروائي البالغ من العمر 80 عاما، إلى الجزائر من فرنسا، حيث كان يعالج من السرطان، وبدلا من استقباله بباقة ورد على الطريقة الجزائرية، قوبل بأصفاد الشرطة، بتهمة؟ “المساس بالوحدة الترابية”، و”إهانة هيئة نظامية”، وفق المادة 87 من قانون العقوبات، التي تبدو كأداة سحرية يستخدمها النظام لإسكات أي صوت لا يعجبه، والسبب تصريح أدلى به لصحيفة فرنسية يمينية (Frontières)، أكد فيه أن فرنسا اقتطعت أراضي من المغرب وضمتها إلى الجزائر خلال الاستعمار، مثل بشار وتندوف.
وفي مارس 2025، حكمت محكمة دار البيضاء بالجزائر بسجنه خمس سنوات، وأُكدت محكمة الإستئناف الحكم في يوليوز 2025، كأن النظام يقول: “قلمك أخطر من سيف، يا صنصال”، وقد أثار الحكم استنكارا دوليا؛ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصفه بـ”التعسفي”، والبرلمان الأوروبي طالب بالإفراج عنه، معتبرينه انتهاكا لحرية التعبير، ورأى مستخدمون على منصة X، أن الاعتقال عقاب لمعارضة صنصال المزمنة للنظام، وليس مجرد تصريح تاريخي.
لكن دعونا نسأل: “هل قال صنصال شيئا لم يُكتب في كتب التاريخ؟، أم أن جريمته الحقيقية هي أنه لم يمتثل للرواية الرسمية التي تصر على أن الحدود الجزائرية الموروثة مقدسة كالأناشيد الوطنية؟.
وفي سبتمبر 2025، خرج عبد القادر بن قرينة، رئيس حركة البناء الوطني والمقرب من الرئيس عبد المجيد تبون، بتصريح أشعل مواقع التواصل كالنار في الهشيم، حيث قال إن “حدود الجزائر جنوبا صارت مع تندوف”، وكأنه يلمح إلى أن تندوف لم تعد جزءً من الوطن؛ بل كيان شبه مستقل أو قاعدة لجبهة البوليساريو.
وسارع المعلقون على منصة X، إلى تفسير ذلك كإشارة إلى نية النظام تحويل تندوف إلى “دولة صغيرة”، لدعم الانفصاليين؛ لكن هل رأينا ابن قرينة في قفص الاتهام؟ لا؛ بل يواصل تجواله بحرية، كأن تصريحه كان مجرد نكتة سياسية لم يفهمها أحد.
إن ابن قرينة، السياسي المحنك الذي ترشح لرئاسة الجمهورية ودعم تبون، يعرف كيف يلعب على حبال النظام، وتصريحه رغم خطورته، يتماشى مع سياسة الجزائر العريقة في دعم البوليساريو ضد المغرب، فلماذا يعاقب على قول ما يريده النظام أصلا، وإن كان بصيغة أخرق؟، والنظام يبدو أنه يقول: “قل ما شئت، طالما أنت من فريقنا”.
وبالنسبة لسعيد سعيود، وزير النقل الجزائري الذي تسلم منصبه في نوفمبر 2024، والذي أشار في تصريح إلى أن تندوف “دولة” وكيان منفصل، فلماذا لم يُسجن؟، الإجابة بسيطة، لأنه وزير في الحكومة، وتصريحاته تعتبر صوت النظام نفسه، الذي يدعم البوليساريو واستضافة مخيماتهم في تندوف، وهي سياسة جزائرية رسمية منذ السبعينيات، ولو سجن لكان ذلك بمثابة أن النظام يعاقب نفسه، وهذا ليس في قاموس “الجمهورية الشعبية الديمقراطية” التي تفضل توجيه اللكمات للمعارضين فقط.
إن الفرق في معاملة صنصال مقابل ابن قرينة وسعيود يكمن في لعبة الولاءات التي يتقنها النظام الجزائري: “العدو المعارض مقابل الأصدقاء الموالين”، فصنصال، بقلمه الناقد وتصريحاته التي تدعم الحقيقة في حق المغرب في صحرائه الشرقية، هو العدو المثالي للنظام، وتصريحه عن الحدود الاستعمارية ليس مجرد كلام تاريخي؛ بل طعنة في قلب الرواية الجزائرية التي تصر على قدسية الحدود الموروثة، أما ابن قرينة وسعيود، فهما من “الفريق، وتصريحاتهما تدعم سياسة النظام في مواجهة المغرب عبر البوليساريو.
ومع تصاعد التوتر مع المغرب حول الصحراء المغربية، يستخدم النظام الجزائري قضية صنصال لتعبئة الرأي العام ضد “العدو الأبدي المغربي”، وتصريحات ابن قرينة وسعيود، فهي جزء من هذه اللعبة الإقليمية؛ لكنها موجهة لدعم البوليساريو، وليس للطعن في الوحدة الوطنية.
إن النظام الجزائري يمتلك موهبة فريدة في استخدام القوانين كسلاح ضد المعارضين فقط. والمادة 87 من قانون العقوبات تبدو وكأنها صُممت خصيصا لأمثال صنصال، بينما يُترك الموالون مثل ابن قرينة وسعيود ينعمون بالحصانة.
إن قضية بوعلام صنصال تكشف عن مسرحية جزائرية كوميدية، حيث يُسجن الكاتب المريض لأنه قال حقيقة تاريخية، بينما يُترك السياسيون الموالون يلقون بتصريحات أخطر دون محاسبة.
والنظام الجزائري، بميزانه السياسي المنحاز، يبدو وكأنه يقول: “إذا كنت معنا، فقل ما شئت ولا تستحيي، وإذا كنت ضدنا، فحتى كتب التاريخ ستُدان”، فهل سينتهي هذا العرض المسرحي بالإفراج عن صنصال أم بمزيد من الفصول الساخرة؟، الإجابة، كالعادة، في يد النظام.
