تقرير الأمين العام للأمم المتحدة يكشف عن استمرار النزاع في الصحراء ومعاناة المحتجزين في تندوف ودور الحكم الذاتي في إنهاء الصراع
حرية بريس/ عبدالله حفري
في تقريره السنوي المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد الأمين العام أنطونيو غوتيريش أن النزاع حول الصحراء ما زال يراوح مكانه بعد مرور ما يقارب نصف قرن، مع تصاعد محدود للتوترات الميدانية خاصة قرب المحبس والسمارة، وتحديات لوجستية تواجه بعثة “المينورسو”.
التقرير، الذي يغطي الفترة من يوليوز 2024 إلى يونيو 2025، أشار إلى جهود مكثفة من المبعوث الشخصي ستيفان دي ميستورا بين الرباط وتندوف والجزائر ونواكشوط، بالإضافة إلى عواصم غربية، لإحياء المسار السياسي. وحذر غوتيريش من أن الوضع الراهن “غير قابل للاستمرار”، داعيا إلى تغيير عاجل وتجنب التصعيد. وعلى الصعيد الإنساني، سلط التقرير الضوء على الأوضاع الصعبة في مخيمات تندوف بسبب نقص التمويل، مع حاجة ملحة إلى نحو 104 ملايين دولار لعام 2025، محذرا من تأثير ذلك على الأطفال والنساء وبرامج التعليم. وختم غوتيريش بدعوة الأطراف والمجتمع الدولي إلى تسريع الجهود نحو تسوية سياسية عادلة ودائمة.
ويتجاوز التقرير في عمقه الإنساني ليكشف عن واقع أكثر قسوة في مخيمات تندوف، حيث يعاني آلاف المحتجزين الصحراويين من انتهاكات حقوقية مستمرة تحت سيطرة جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، هذه المخيمات، التي تقع في جنوب غرب الجزائر، تحولت إلى مراكز احتجاز واسعة النطاق، حيث يُفرض على السكان قيود صارمة على الحركة، ويتعرضون للاختطافات، التعذيب، والمحاكمات العسكرية غير العادلة.
منظمة هيومن رايتس ووتش أشارت في تقاريرها إلى أن السلطات الجزائرية تطالب اللاجئين الصحراويين بالحصول على تصاريح للسفر خارج تندوف، وتصادر مؤقتا جوازات السفر الجزائرية التي يحملونها، مما يعيق حريتهم في التنقل، كما أن هناك شهادات عن استغلال الأطفال، الإعدامات خارج القانون، والاختفاء القسري، مما يجعل هذه المخيمات منطقة خالية من الرقابة الدولية الفعالة.
كذلك منظمات غير حكومية أخرى، في جلسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أكدت أن الانتهاكات تشمل التعذيب والقتل خارج نطاق القانون، وأن الجزائر تتحمل مسؤولية مباشرة بسبب سيطرتها على المنطقة، رغم إنكارها لذلك، هذه المعاناة اليومية، التي تستمر منذ عقود، تؤثر بشكل خاص على النساء والأطفال، الذين يواجهون نقصاً في الغذاء والتعليم، كما أبرز التقرير نفسه.
أحد أبرز أسباب استمرار هذه المعاناة هو التلاعب المنهجي في المساعدات الدولية الموجهة إلى مخيمات تندوف. وفقا لتقارير منظمات دولية، تقوم جبهة البوليساريو، بدعم من الجزائر، بتحويل جزء كبير من هذه المساعدات عن وجهتها الإنسانية، على سبيل المثال، أشارت تحقيقات مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي (OLAF) إلى أن مساعدات غذائية وإنسانية، بقيمة ملايين اليورو، تم بيعها في أسواق محلية أو استخدامها لتمويل أنشطة عسكرية، بدلا من توزيعها على السكان المحتاجين.
منظمات غير حكومية مثل Africa Watch وأخرى إيطالية أكدت أن هذا التحويل يشمل مساعدات مخصصة للنساء الحوامل والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، مما يفاقم الأزمة الإنسانية، كما أن عدم وجود إحصاء دقيق للسكان في المخيمات – حيث يبالغ البوليساريو في الأرقام للحصول على مزيد من المساعدات – يسهل هذا التلاعب.
وفي عام 2024، أفادت منظمات أن الجزائر تفرض ضرائب على المساعدات، وأن جزء منها يُستخدم لشراء أسلحة، مما يحول المساعدات الدولية إلى أداة لإدامة النزاع بدلا من حل المشكلات الإنسانية، هذا الواقع يجعل التمويل الدولي، الذي يصل إلى مئات الملايين غير فعال، ويترك المحتجزين في دائرة من الفقر والحرمان.
وأمام هذا الواقع المأساوي، يبرز اقتراح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب في عام 2007 كحل واقعي ودائم لإنهاء الصراع الذي طال أمده، وبالتالي إنهاء معاناة المحتجزين في تندوف، هذا الاقتراح، الذي يهدف إلى إنشاء منطقة صحراء ذاتية الحكم ضمن سيادة المغرب، يمنح السكان المحليين صلاحيات واسعة في إدارة شؤونهم الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، مع الحفاظ على الوحدة الترابية.
كما أن دعم دول كبرى مثل الولايات المتحدة، فرنسا، والمملكة المتحدة يجعل هذا الاقتراح أساسا وحيدا لتسوية عادلة، معتبرين إياه حلا عمليا يتجاوز خيار الاستفتاء الذي أصبح غير قابل للتنفيذ، كما أن خبراء ونواب بريطانيون أكدوا أن الخطة توفر فرصا تنموية للسكان، وتسمح بعودة اللاجئين المغاربة في مخيمات تندوف بكرامة، مما ينهي الاعتماد على المساعدات الدولية ويوقف الانتهاكات في المخيمات. كما أنها تتوافق مع دعوة غوتيريش لتغيير عاجل، حيث تُعتبر حلا متوازنا ينهي النزاع الذي أدى إلى معاناة عشرات الآلاف لعقود.
ويمثل الحكم الذاتي بوابة للسلام والتنمية، وهو الحل الأمثل لإنهاء هذا الصراع الذي أنهك المنطقة لعقود، ويضمن كرامة الصحراويين واستقرار المنطقة، ويضع حدا للاستغلال السياسي والتلاعب في المساعدات، الذي يعانون منه في تندوف.
