الدكتور محمد الزوهري يوميات في زمن كورونا …النعرات الزوجية
حرية بريس
بالشارع القريب من مسكني، استرعى انتباهي – اليوم – نقاش حاد داخل سيارة بين زوجين.. الزوجة كانت تصرخ في حالة غضب هستيرية، والزوج يلطم مقود السيارة… لم أعرف سبب هذا النقاش، لكنني حسبته من الإفرازات المستجدة التي تعرفها العلاقات الزوجية في ظل الحجر الصحي..
في زمن كورونا، هناك أزواج متعايشون وقد استعادوا الحميمية التي فقدوها في طاحونة الحياة العادية، وآخرون متوترون اصطدموا بالإغلاق وقد وجدوا أنفسهم على خط التماس اليومي مع أزواجهم… ما فتح المجال للاحتكاكات المكهربة والتراشقات والنكد.
هذا الموضوع لم يبق في حيز السكوت عنه، بل يثير يوميا الكثير من اللغط على شبكات التواصل الاجتماعي.. فئة بعبّر أفرادها عن سعادتهم باسترداد الدفء الأسرى داخل الحجر الصحي بعد أن كادوا يفقدونه تحت وطأة الحياة اليومية الضاغطة، لذلك يكشف الكثير منهم بالكلمة والصورة كيف أصبحوا قريبين من بعضهم قبل أي وقت مضى، وكيف اكتشفوا أخيرا طباع وخبايا زوجاتهم وإزواجهم، بعدما لم يتسنَ لهم من قبل اكتشفها من قبل، وكيف صار الرجال يدخلون المطبخ وينظفون ويلاعبون الأطفال..
وفي المقابل عبر أفراد الفئة الثانية عن امتعاضهم من جحيم الإغلاق، فباتوا أسرى “كورونا”، يقضون ساعات اليوم بين أربعة جدران، وهم الذين تعودوا صخب الحياة وحريتها، ولا يعودون إلى البيت إلا في ساعة متأخرة… إلى أن وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة القهر و”الزّمت”.. ولا يتواصلون على مدار الوقت إلا مع شخص واحد، ومع الأبناء إنْ وُجِدوا… غكان من الطبيعي أن تتجدد النعارات والاحتقانات التي وصلت في بعض الحالات حد ممارسة العنف في حق الزوجة أو الزوج…
لكن الإحساس بالضيق ازداد بالنسبة للأزواج المرتبطين بعلاقات عاطفية خارج مؤسسة الزواج. هؤلاء فرضت عليهم الجائحة النفي القسري عن عشيقاتهم، أو عن عشاقهم بالنسبة لعينة من النساء المتعودات على الارتماء في حضن الخيانة.
هذه العلاقات المتوترة المستجدة لم تخلُ من مستملحات وطرائف جادت بها شبكات التواصل، كقول أحدهم: “ما حيلتي مع الفيروس برا… ما حيلتي ما هاذ عقروشة فالدار”، وقال آخر: “هذا هو الوقت باش نشبع فمرتي العصا.. ماعندها فين تمشي: لا والديها تمشي عندهوم، ولا محكمة حلّا”، وزوج آخر صاح: “اللهم الخطر د كورونا ولا هاذ المصيبة د امراتي”، بينما لم تتردد زوجةٌ في الإفصاح عن كرهها لزوجها بعد أن ضاق بها ذرعا في الحجر المنزلي: “راجلي نكار.. هذي عشرين سنة وأنا هانية منو.. غابر إما فالخدمة، أو فالقهوة، أو مع صحابو… حتى جات هاذ كورونا وولاّ داير لي دمالة.. الله يعطيه غمة”.
هكذا انقلبت الحياة الزوجية، إما إلى الأفضل، أو إلى الأسوء في حيز مكاني ضيق واحد تحت سلطة الإكراه، حيث وجد الرجل نفسه مطوقا أكثر من المرأة المعروفة بارتباطها بالبيت في مجتمعنا.
دراسة اطلعتُ عليها، اليوم، أنجزتها الباحثة المغربية بشرى زمان
أوضحت أن الرجل في ظل حالة الإغلاق، بات “يعيش موزعا بين صراعين، صراع اجتماعي يخوض غماره مع المرأة داخل الإقامة الإجبارية بالبيت، ومعركة الخوف من مواجهة الوباء في حالة الخروج المشروط والاستثنائي” .
وأضافت أن الشعور بالقهر اعترى أكثر الرجال المنتمين إلى الطبقة الاجتماعية الهشة، الذين “وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة الخوف من الوباء في الخارج والجوع بالداخل، ما جعلهم يتجاوزون الملل من الحبس المنزلي إلى فقدان القيمة والجدوى، بعد أن أصيبوا بالإعاقة على مستوى القوامة، حيث كان الرجل الذي اعتاد على إعالة أسرته يشعر بقيمته وجدواه وكرامته من خلال القيام بهذه المهمة”.
