من حي السلام إلى قبة البرلمان: مسار خديجة حجوبي في فاس الشمالية
حرية بريس
في مشهد سياسي محلي يتسم بكثير من الضبابية وغياب الوضوح في أداء عدد من المنتخبين، تبرز خديجة حجوبي كاستثناء لافت في فاس الشمالية، ليس فقط باعتبارها برلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، بل كعنوان لمسار سياسي مختلف، اختار القرب من المواطن بدل الابتعاد عنه، والعمل الميداني بدل الاكتفاء بالصفة، والاستمرارية بدل الظهور الموسمي. حضورها لم يكن وليد لحظة انتخابية، بل نتيجة مسار تراكمي جعلها تحظى بثقة الساكنة، وتفرض اسمها داخل المشهد المحلي دون ضجيج أو استعراض.
خديجة حجوبي لم تكن عبئًا على حزب الأصالة والمعاصرة، بل شكلت إضافة حقيقية له في فاس الشمالية، حيث منحت الحزب وجهًا اجتماعيًا وميدانيًا افتقده في فترات سابقة. فقد استطاعت، من خلال سلوكها السياسي والتزامها اليومي، أن تعزز صورة الحزب داخل الأحياء الشعبية، وأن تربط الانتماء الحزبي بالفعل الاجتماعي، لا بالشعارات أو الخطابات الجاهزة. بهذا المعنى، لم تختبئ خلف الحزب، بل حملته إلى الميدان، وربطت اسمه بقضايا حقيقية تمس المواطنين في حياتهم اليومية.
ما يميز تجربة خديجة حجوبي أكثر هو أنها، رغم وصولها إلى قبة البرلمان، لم تغيّر نمط عيشها، ولم تبحث عن عنوان جديد بعيد عن واقع الناس، بل ظلت وفية لجذورها، محافظة على سكنها داخل حي السلام، أحد الأحياء الشعبية التي تعرف تفاصيلها الدقيقة، وتعيش يوميًا إكراهاته وتحدياته. هذا الاختيار لم يكن رمزيًا فقط، بل عكس قناعة راسخة بأن البرلماني الذي يبتعد عن محيطه الطبيعي يفقد تدريجيًا القدرة على تمثيله بصدق. من حي السلام، استمدت خديجة حجوبي قوتها السياسية، ومن هناك ظلت على تماس مباشر مع هموم الساكنة، دون وسائط أو حواجز.
على المستوى البرلماني، تعاملت خديجة حجوبي مع المسؤولية باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، فحرصت على الترافع عن القضايا الاجتماعية، وعلى نقل انشغالات فاس الشمالية إلى المؤسسات، وربط ما يُناقش تحت القبة بما يُعاش في الشارع. لم تكن من البرلمانيين الذين يكتفون بالصمت أو الغياب، ولم تسلك طريق الراحة السياسية، بل اختارت الاشتغال الهادئ والمستمر، حتى وإن لم يكن ذلك دائمًا في دائرة الأضواء.
وإلى جانب العمل البرلماني، ظل حضورها الجمعوي قويًا من خلال رئاستها لجمعية قافلة نور الصداقة للتنمية الاجتماعية، حيث لم تُستعمل الجمعية كواجهة انتخابية أو أداة دعائية، بل كفضاء حقيقي للعمل التضامني. فقد انخرطت الجمعية في مبادرات اجتماعية لفائدة الأسر المعوزة، والأطفال، والنساء، وساهمت في تخفيف معاناة فئات هشة، في وقت أصبح فيه العمل الجمعوي عند البعض مجرد وسيلة للظهور أو الاستثمار السياسي. هذا التداخل بين السياسي والاجتماعي، حين يُمارس بصدق، منح لمسار خديجة حجوبي مصداقية إضافية لدى الساكنة.
وفي مقابل هذا الحضور، يطرح الواقع المحلي بفاس الشمالية أكثر من علامة استفهام حول أداء برلمانيين آخرين يمثلون نفس الدائرة، والذين اختفوا عن الأنظار بعد الانتخابات، ولم يُسجل لهم حضور فعلي في الدفاع عن قضايا المواطنين أو التفاعل مع مشاكلهم اليومية. غياب لم يعد مجرد انطباع، بل واقع يلمسه المواطن في الشارع، ويقارن من خلاله بين من بقي قريبًا، ومن اختار الابتعاد، وبين من اعتبر المسؤولية التزامًا، ومن تعامل معها كغنيمة عابرة.
ولا يكتمل الحديث عن هذا المسار دون الإشارة إلى البعد العائلي في خدمة الشأن العام، حيث يبرز اسم خالد حجوبي، شقيق خديجة حجوبي، الذي ترأس مقاطعة المرينيين، وعُرف بدوره بقربه من المواطن وانخراطه المباشر في تدبير الشأن المحلي. فقد اشتغل خالد حجوبي، خلال فترة تحمله للمسؤولية، بروح المسؤولية والإرادة، واضعًا خدمة الساكنة في صلب أولوياته، ومتعاملًا مع المنصب باعتباره وسيلة لخدمة الصالح العام لا موقعًا للامتياز. مجهوداته في تدبير قضايا المواطنين، والتفاعل مع مشاكلهم اليومية، جعلت اسمه يحظى بالاحترام داخل المقاطعة، ورسخت صورة مسؤول قريب، لا يتوارى خلف المكاتب.
هذا التقاطع بين مسار خديجة حجوبي البرلماني ومسار شقيقها خالد حجوبي في التدبير المحلي لا يبدو صدفة، بل يعكس ثقافة مشتركة تقوم على اعتبار العمل العام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقعًا سياسيًا. وهي قناعة نادرة في زمن بات فيه الابتعاد عن المواطن سلوكًا شائعًا لدى عدد من المنتخبين، بينما ظل هذا الاسم حاضرًا، كل من موقعه، في خدمة الصالح العام.
إن تجربة خديجة حجوبي، البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، القادمة من حي السلام، تفرض نفسها اليوم كنموذج مختلف في فاس الشمالية، نموذج يربك من اختاروا الغياب، ويعيد طرح السؤال الحقيقي حول معنى التمثيل البرلماني. فحين يكون الحضور مستمرًا، والالتزام واضحًا، والعمل مرتبطًا بالواقع، يصبح التقييم بديهيًا، وتصبح المقارنة غير متكافئة. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم للساكنة، التي تميّز جيدًا بين من خدمها فعلًا، ومن اكتفى بالصفة وغاب.
