بعد يوسف والفاروق .. تجسيد الرسول في مسلسل ايراني رمضان القادم
يشعر بهم ولا ينام الا وهو مطمئن علي يومهم وغدهم خاصة بعد سنوات طويلة من الاستبداد والظلم والفساد.. لذلك نجد شخصية الفاروق في مسلسل تليفزيوني كبير صاحبه جدل اكبر منذ التفكير في انتاجه وحتي خروجه للنور وعرضه علي الشاشة الصغيرة.. والغريب ان يعرض في رمضان ايضا مسلسل اذاعي عن ” الفاروق حاكما ” وكذلك هناك برنامج للداعية عمرو خالد أيضا عن الفاروق عمر.. اذن هناك حاجة ملحة بناء علي ما تمر به مصر من ظروف سياسية قاسية لاستحضار روح عمر العادل المنصف الذي يخشي الله في كل تصرف وكان احرص الناس علي شعبه وعلي توفير احتياجاته في ادني الارض ومشارقها..
ورغم ظهور المسلسل للنور وعرضه علي التليفزيون إلا ان ذلك لن يكون مثل اي مسلسل تسبب في ازمة ثم انتهت بعرضه.. لا لشيء الا ان بطله هو بطل المسلمين الملهم للعدل والمساواة.. وهو ايضا الحاكم الذي نجح في الحكم علي كافة الاصعدة.. وهو احد الصحابة والمبشرين بالجنة الذين لم يظهروا علي الشاشة قبلا بحكم رفض الجهات الدينية ذلك رفضا مطلقا.. الا ان التجارب الخارجية الواردة من دول غير عربية مثل ايران التي انتجت عملين عن النبي يوسف ومريم العذراء.. واظهرت اكثر من نبي علي الشاشة تجسيدا لشخصيته.. شجعت البعض الآخر علي نهج نفس الطريق وانتاج مثل هذا المسلسل.. خاصة ان حكاية عدم اظهار الشخصيات الدينية الكبيرة والانبياء هو من قبيل اجتهاد العلماء ولا يوجد نص او حديث يشير الي مثل هذه الحالات من قريب او بعيد.. اضافة الي ان اختلاف آراء العلماء في ظهور الانبياء والصالحين يصب في خانة منتجي الدراما لانهم لمجرد الحصول علي موافقة احد العلماء او اكثر بأن العمل لا شيء عليه يقومون بانتاجه مباشرة ضاربين بقرارات الجهات الرسمية عرض الحائط.. خاصة ان هذه الجهات ربما تستطيع ان تلزم الجهات الاعلامية والقائمين علي الدراما بعدم عرض مسلسل او اي عمل اذا لم يحصل علي موافقتها.. اما البث الوارد من خارج الحدود فإنه لا سلطان عليه من الجهات الرسمية الدينية او غيرها..
ولعل حكاية مسلسل عمر خير دليل علي ذلك.. ولمجرد ان تم الاعلان عن النية لتنفيذ العمل هاجت الدنيا وخرجت عشرات من التصريحات الغاضبة للعلماء.. وشكلت الحملات الاعلامية المناهضة للعمل بصورة توحي بأن هناك خناقة بين طرفين.. بدلا من التوصل الي صيغة عادلة للمشلكة بعد حوار طويل بين كل الاطراف يخرج في النهاية بتوصيات تتماشي مع ثورة وسائل الاتصال التي قضت علي الحدود السياسية والرقابية حول العالم.. والاكيد ان الرقابة الدينية الاقل سلطة وامكانيات تستطيع ان تحقق ما لم تحققه الرقابة السياسية.. ولكن ماحدث هو سيناريو مكرر لما كان يحدث في الحالات السابقة وينتهي بهزيمة من لا يريد النشر او العرض..
في البداية اكد اعضاء مجمع البحوث الاسلامية ان العمل لم يتم عرضه علي الازهر الشريف او مجمع البحوث الاسلامية للحصول علي موافقتهما.. لعلم القائمين عليه انه لو عرض علي الازهر سوف يرفضه.. وهو يؤكد ايضا ان الازهر ليس في مقدوره الزام الداخل والخارج بأوامره ونواهيه.. ومع ذلك يتمسك الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية بمنع تمثيل الرسل والأنبياء وآل بيت الرسول.. والعشرة المبشرين بالجنة ومنهم الخلفاء الراشدون.. فأما ما يخص الرسل والأنبياء فهؤلاء نوعية من البشر اصطفاهم المولي عز وجل عن سائر خلقه، وتنطق بهذا آيات القرآن الكريم في قول المولي عز وجل (إن الله اصطفي آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران علي العالمين).. ويقولون : إذا كان الله عز وجل قد اصطفي هؤلاء البشر.. فهل من اللائق أن يتقمص أحد شخصياتهم؟ فالتمثيل استحضار صورة الشخصية التي يقوم بها الممثل.. ومهما بالغ الممثل في الإجادة فلن يستطيع أن يكون طبق الأصل من شخصية ليست كسائر البشر.
اما مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ فقال : إن أصحاب فكرة مسلسل الفاروق عمر ومَن شاركوا فيها ومَن تبنوها مخطئون.. لأن تحويل سيرة الخلفاء والصحابة إلي عمل سينمائي يعرّضها للحديث من كل ساقطٍ وساقطةٍ والتجريح والنقد.. وحذّر أصحاب الفضائيات من إنفاق أموالهم في الباطل، وطالبهم بتقوي الله، وقال: إن ما يقومون به من أعمال محرّمة خطأ وجريمة.
وقال ايضا : إن صحابة رسول الله من المهاجرين والأنصار والسابقون الأولون هم خير الناس بعد الأنبياء والرسل.. وأثني الله عليهم واستغفر لهم وذكر فضائلهم وجهادهم.. ولن يكون مثلهم من الناس.. وأضاف: إن المجوس خصّصوا قنواتهم ومواقعهم ووسائل إعلامهم وكتبهم وأخذوا علي عواتقهم التجريح والسب والتطاول علي صحابة رسول الله ونقدهم بالأساليب السيئة،وهناك طائفة أخري من بعض المسلمين أرادوا أن يأخذوا سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بالتحليل ويضعونها موضع النقد لهذه الشخصية الفذة؟ ووضعها بأسلوب سينمائي يتحدث عنه بأسلوب سيئ مبتذل فيقولون هذا إعرابي جلف وهذا لا يجوز لأن صحابة رسول الله هم من خيار الخلق بعد الأنبياء فلابد من الترفع عن هذه الأساليب.. ومَن يريد التعريف بسيرة الفاروق عليه أن يؤلف في سيرته وخصاله ودوره وجهاده ويترجم هذه المؤلفات إلي اللغات العالمية، وقال المفتي العام إن مَن تبني فكرة هذا المسلسل ومَن شارك فيها مخطئون فالأفلام والمسلسلات عن هذه الشخصيات لا يًرجي منها خيراً وعلي أصحاب الفضائيات أن يتقوا الله وعدم إنفاق أموالهم في الباطل لأن هذا خطأ وجريمة
كما رفض الشيخ الدكتورعبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام مسلسل عمر بن الخطاب مطالبا القائمين علي الوسائل الإعلامية والقنوات الفضائية أن يراعوا حرمة هذا الشهر الفضيل وقال في إحدي خطب الجمعة التي ألقاها بالمسجد الحرام “لا تخدشوا روحانيات الشهر بما لايليق من البرامج والمشاهد والأفلام لا سيما مايمس سيد الأنام وآله وصحابته الكرام”.
وعلي هذا المنوال سلك معظم العلماء نفس المسلك الرافض لتجسيد صور الانبياء والصحابة الكرام.. باستثناء ما وافقوا علي العمل من العلماء المشهود لهم ايضا بالصلاح والكفاءة وحق الافتاء..
وعلي جانب وفي مجال التقاضي رفعت اكثر من دعوي تطالب بعدم عرض المسلسل.. فقد اقام المحامي حامد سالم دعوي قضائية أمام محكمة القضاء الإداري.. مطالبا فيها بوقف عرض المسلسل مبررا ذلك بأنه لا يجوز شرعا أن يتم تجسيد شخصية الصحابة في المسلسلات لما في هذا التجسيد من مساس بهيبة هؤلاء الصحابة.. كما يمثل تعدياً جسيماً علي الثوابت الإسلامية.. وفي مملكة البحرين رفعت دعوي مماثلة حيث أقام المحامي البحريني دويم المويزري دعوي قضائية لمنع المسلسل من العرض.. واستعان المحامي خلال الجلسة بطبيب نفسي ليشرح الوضع النفسي للمشاهد في حالة مشاهدة الحلقات..
اما علي صعيد النقد الفني فقد اعتبر عدد من النقاد ان المنع والرفض من الجهات الدينية الرسمية ورفع الدعاوي القضائية كل هذا سوف يؤدي الي نتائج عكسية والي ترقب المشاهد لعرض مثل هذه الاعمال.. كما حدث في الاعمال السابقة “يوسف الصديق ” والحسن والحسين و«مريم العذراء».. وطالبوا هذه الجهات بالمرونة في التفكير والحكم علي مثل هذه الاعمال بصورة عصرية.. كما طالبوا الأزهر بأن يعيد النظر في قرار المنع.. وان يطمئن الناس بأنهم لا يرتكبون معصية عندما يشاهدون مثل هذه الاعمال.. مؤكدين ان المجتمعات الاسلامية تحتاج الي صورة الفاروق.. خصوصا أن الإسلام يهاجم بضراوة.. وقد سبق وكتبت سيرته في أكثر من مؤلف منها عبقرية عمر لعباس العقاد وقد ساهم ذلك في نشر الإسلام وقتها.. فما بالنا بمسلسل تأثيره أهم مليون مرة من الكتب.. وسيشاهده أكثر من نصف مليار مسلم في أنحاء العالم حيث تمت ترجمته لأكثر من لغة.
حاتم علي.. مخرج العمل السوري اكد في تصريحاته ان مشروعية أي عمل تاريخي تكمن في مدي مواكبة أفكاره للعصر وقدرتها علي طرح أسئلة أو الإجابة عن أسئلة معاصرة.. أما فيما يخص مسلسل عمر.. فقال : لقد توخينا الدقة في الرواية التاريخية لعظمة هذه الشخصية.. والبحث الذي قام به الدكتور وليد سيف لكتابة العمل تابعته لجنة ضمت مجموعة من أبرز العلماء أشرفت عليه ودققت في الوقائع التاريخية وتابعت تفاصيله.. وهو ما كلفنا جهداً ووقتاً كبيرين.. وقد ضمّت اللجنة عبدالوهاب الطريري وعلي الصلابي والدكتور يوسف القرضاوي والشيخ سلمان العودة وسعد العتيبي وأكرم ضياء العمري”.
هذا.. ويوجد تيار كبير من علماء الدين والمثقفين وانصار الدراما يؤيدون عرض المسلسل بل إنهم يشجعون علي انتاج مثل هذه الاعمال خاصة ونحن نعيش في زمن عزت فيه القراءة والتعرف علي سير العظماء.. كما انهم يطالبون الرافضين لهذه الاعمال بأن يذكروا حديثا او آية قرآنية او نصيحة نبوية تشير الي عدم تجسيد الصحابة.. وبذلك تكون المعركة ليست دينية اي ان علي رجال الدين البعد عنها لانهم ليسوا طرفا فيها.. خاصة وقد سبق وسمح بتجسيد.. عمار بن ياسر وبلال بن رباح وخالد بن الوليد في السينما .. فلماذا لايسمح بعمر بن الخطاب وباقي المبشرين بظهورهم في المسلسلات؟ ويقولون ايضا : لماذا تربط اهانة الصحابة بظهورهم في الاعمال الدرامية ولم يحدث ذلك عندما نكتب عنهم.. فكم من كتب اهانت الكثير من الصحابة بصورة أو بأخري.. ولم تقم نفس الثورة ضدها..
اذن هذه كانت وجهات نظر الفريقين.. والواضح ان الفريق الثاني صاحب دعوي العرض وظهور الشخصيات الدينية المقدسة علي الشاشة هو الذي كسب الجولة وربما يكون كسب المعركة كلها.. لان الجولات السابقة كانت في صالحه ايضا ولم يتبق الكثير من الجولات التي تسمح للفريق الآخر ان يعوض ما فاته.. فمنذ عام 1926 عندما حاول يوسف وهبي انتاج فيلم باسم “النبي” وكان يتناول قصة حياة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، ولم يكن يعرف وقتها حرمانية ذلك.. ومن وقتها الأزهر منع ذلك وكحماية لعدم المساس بالأنبياء منع ظهور الخلفاء الراشدين والمبشرين بالجنة.. إلا ان الامر تكرر بعد 25 عاما وتم انتاج فيلم حمزة وعرض رغم المعارضات الكبيرة.. وتكرر الامر بفيلم عن بلال بن رباح وغيره من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم..
والواضح ان الاعمال الدرامية في طريقها الي تجسيد كل الشخصيات مهما كان الامر علي امل ان تكون رسالة واضحة وقوية في وصولها للمشاهد بسهولة ويسر اكثر من الطرق التقليدية الاخري مثل الكتب.. ومعهم الكثير من العلماء المقتنعين بذلك..
وعلي الجانب الآخر تتضاءل المعارضة وينتقل منها الكثير الي معسكر الموافقة علي نشر هذه الاعمال التي اصبحت علامة مميزة في عُمر الدراما.. كما ان التجارب الاولي جاءت بالخير علي الرسالة بصفة عامة ولم نسمع ان مسلسلاً دينياً تسبب في ازمة او مشكلة الا علي عرضه تليفزيونيا فقط..
واذا كان الغرب استطاع ان يجسد صورة المسيح في اكثر من عمل سينمائي.. واستطاعت الدراما الايرانية ايضا تجسيد عدد كبير من الانبياء في مسلسل يوسف الصديق.. مع مشاهدتنا الآن لمسلسل عن عمر الفاروق.. فإن الخطوة القادمة التي يجب علي الازهر ومن معه الاستعداد لها جيدا.. هي تجسيد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وربما نراه في رمضان القادم.. ولا اقول هنا ان علي الازهر ان يستعد بالرفض واعلان الحرب عليه.. ولكن كي يستعد بالتعاطي مع العمل والاشراف علي تنفيذه وخروجه بالصورة التي تناسب مقام رسولنا الكريم.. لانه اذا لم تقم الدراما العربية بذلك سوف تقوم به الدراما السورية وربما الاجنبية ايضا.. وعلي الجميع ان يعرف ان وسائل الاتصال والاعلام لا تمنعها الحدود ولا الرقابة.. وبدلا من غلق الاذان والعيون علينا التعامل بمنطقية مع ما يجري حولنا لنكون مشاركين فاعلين فيه وليس مشاهدين له رغما عن أنوفنا
حرية بريس حسن الشيخ
