مراتب الصائمين
شهر تتعدد فيه العبادات صيام وقيام وقراءة قرآن وصدقة ودعاء واستغفار وتهليل وتسبيح وصلة رحم.
وإن كانت أعظم عبادة فيه هي الصيام لأنه مفتاح العبادات الأخرى وأسها وجبت إقامته على الوجه الأتم والأكمل الذي يحقق للمؤمن غايات الصوم ومقاصده قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
وإن كان الصوم في تعريف الفقهاء واحدا فهو متعدد في عرف العارفين وهو ظاهر في أحوال المؤمنين والمحسنين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» وفي رواية عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعِ الْكَذِبَ، وَالْخَنَا ، فَلَيْسَ حَاجَةٌ لِلَّهِ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهَ، وَشَرَابَهُ، يَعْنِي الصَّائِمَ» .
وقد بين الإمام الغزالي مراتب الصائمين وأحوالهم وكيف يرتقي المؤمن من مقام إلى مقام ومن درجة إلى أخرى وذلك مشهود في أحوال الصائمين وأثر الصيام في حياتهم الخاصة والعامة. قال الإمام الغزالي في الإحياء: ” اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ صَوْمُ الْعُمُومِ، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص، وأما صَوْمُ الْعُمُومِ فَهُوَ كَفُّ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ عَنْ قضاء الشهوة…
وَأَمَّا صَوْمُ الْخُصُوصِ فَهُوَ كَفُّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْآثَامِ.
وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدَّنِيَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَفُّهُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عز وجل بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين.”
وقبول العبادة وردها يظهر في حال صحبها وأثرها في يومه وليلته فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «آمِينَ آمِينَ آمِينَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ»
أحوال الصالحين في رمضان
وبالمثال والقدوة يتضح المقال فالنفوس البشرية جبلت على الاقتداء والتأسي لذا كان المرء على دين خليله.
ومما روي من أحوال الصالحين أن الإمام الشافعي في رمضان يختم القرآن 60 مرة ..أي له في اليوم ختمتان!!
وكان الإمام أحمد يغلق الكتب ويقول هذا شهر القرآن..
وكان الإمام مالك بن انس لا يفتي ولا يدرس في رمضان ويقول هذا شهر القرآن..
واحتضر أحد السلف فجلس أبناءه يبكون فقال لهم: لا تبكوا فو الله لقد كنت اختم في رمضان في هذا المسجد عند كل سارية 10 مرات. وكان في المسجد 4 ساريات..أي ختم 40 مرة في رمضان!!
وكان الإمام أحمد بن حنبل يقوم في كل ليلة من رمضان 300 ركعة.
وكان بعضهم إن تثاقلت نفسه يختم في كل عشر مرة.
وما تنوعت العبادات واختلفت إلا لينال المؤمن منها ما يسعه فعله ويطيق القيام به فمن فاتته تلاوة القرآن أو حبسه العذر عنها فهو يجد نفسه في الصدقة وصلة الرحم والدعاء وفعل الخير.
والمغبون من فاته الخير كله وحبسته نفسه وهواه عن العمل الصالح والمسابقة في الخيرات قال تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} .
والمؤمن والمؤمنة لا يرضى لنفسه إلا أن يكون من أهل السبق والمنافسة في الخير واغتنام الأوقات قبل فواتها وحلول الآفات ونزولها.
