الدكتور محمد الزوهري في اضطراب ساعتنا البيولوجية في زمن كورونا
حرية بريس
منذ بداية رمضان ابتليتُ بعادة غريبة وشاذة… كورونا خلخلتْ ساعتنا البيولوجية، وقلبَتْ حياتنا رأسا على عقب… أمضي الليل دون نوم حتى الثالثة والنصف صباحا. أتناول ما تيسر من الطعام وأشرب الماء، ثم أؤدي صلاة الفجر مع الصغيرين اللذين يسهران بدورهما طوال الليل منذ بداية شهر الصيام، ثم ألوذ إلى الفراش.. ليس للنوم، ولكن لبدء حصةٍ من القراءة التي قد تمتد بي ساعتين… وبعد أن يتسرب نور الصباح، أنهض إلى النافذة فأتنفس بعمق، وأرنو إلى ما أمامي من مكونات الحياة وهي تتنفس عبير الثرى، وتنشق ندى الأشجار، بينما الطيور تكون في أوج طربها…
أتعجب من نفسي، كيف للنوم يهجرني في هذه الساعة التي تعقب سمرا ليليا طويلا؟ ومن أين لي بتلك المتعة التي تدفعني للإقبال على القراءة في ذروة حاجة الجسم والعقل للراحة والنوم؟
لا أعرف سر هذه السلوك، لكن يكفيني أني أستمتع بهذه اللحظة الاستثنائية… ربما الرغبة في الاستمتاع بطراوة الطبيعة وسكونها في بكرتها هي التي تحفزني، ففي العادة لا نستمتع بجمال الكون في هذا الوقت المبكر، نتيجة استغراق المتأخر في النوم.
ولا يمكن للقراءة أن تحلو إلا مع الإحساس بالمتعة. أنهيتُ رواية “الطاعون” وغيرتُ الوجهة إلى الرومانسية… منذ الأمس شرعت في قراءة رواية “قصة حب مجوسية” لحيدر حيدر، وموازاة معها لا زلتُ أواصل قراءة كتاب “كورونا والخطاب”…
ومهما تأخرتُ، لا أنام- عادة – إلا ثلاث ساعات، قبل أن أضطر في التاسعة لتهييء الصغيرين لتلقي تعليمهما عن بعد.. طبيعة الدروس المباشرة تقتضي منهما الحضور من بداية الحصة إلى نهاية، وكأنهما داخل فصول المدرسة… حتى المدرسون يبدأون حصصهم بالنداء على أسماء التلاميذ واحدا واحدا، للتأكد من حضورهم…
عند العصر أدخل المطبخ من جديد لمساعدة ربة البيت في تحضير وجبة الإفطار. أتكلف بالمهمات الثانوية، بينما المهمات الرئيسية من اختصاصها… وسط هذا الانشغال اللذيذ، أقتنص لحظات من حين لآخر لمشاهدة التلفاز، أو أعاين ما يروج في شبكات التواصل الاجتماعي… لفت انتباهي اليوم خبر نزوح العشرات من سكان قريتي نحو مقر القيادة، للاحتجاج على عدم توصلهم بإعانات “صندوق تدبير جائحة كورونا” إلى حدود اليوم، رغم مرور سبعة أسابيع عن بداية توزيعها… هددوا بالتصعيد إن لم يتم رفع الإقصاء والحيف عنهم عاجلا… مسؤول السلطة المحلية استقبلهم ووعدهم بإيصال مطالبهم لمصالح وزارة الداخلية. طبيعي أنه أراد امتصاص غضبهم… هؤلاء المواطنين البسطاء ضحية عزلة قاتلة في جبال القرية، حيث لا مورد رزق لهم سوى زراعة معاشية وثمار موسمية ورؤس معدودة من الأغنام والماعز، وانتظار مناسبات الريع.
كل واحد وهمُّه… في الليل أخبرني شقيقي أن أغلال حصاره بعيدا عن زوجته وابنيه قد تُفكّ قريبا.. توصل بمعلومات عن قرب خروج أول دفعة من المهاجرين المحتجزين هنا ببلدهم نحو إسبانيا، لكن هذه الدفعة تقرر عبورها على متن الباخرة، وتشمل فقط المهاجرين المتوفرين على سياراتهم الخاصة، سعيا لتفادي الاختلاط، ومراعاة لمشكل انتفاء وسائل النقل العمومي داخل التراب المغربي والإسباني… شقيقي لن يكون معنيا بهذه الدفعة، لأنه حل جوًّا قبل شهرين لزيارة أمي المريضة… وعليه أن ينتظر مزيدا من الوقت.
